قال أكرم ألفي الخبير المتخصص في الدراسات السكانية أن التكنولوجيا ليست صانعة لظواهر الرأي كالحشد الجمعي وسيط يعكس طبيعة المجتمع مبيناً أن انتشار الاغتيال الرقمي على منصات التواصل يحتاج لتعزيز التفاعل المجتمعي وتحقيق شمول الوعي الرقمي، مؤكداً إن المجتمع المصري بنقاشاته الغنية والمختلفة بين الأعمار والفئات قادر على تحويل هذه التحديات إلى فرص للحوار البناء.
وأكد أكرم ألفي في تصريحات صحفية لـ ميجا نيوز أن الاغتيال الرقمي كظاهرة تدمر السمعة والكرامة بضغطة زر ليست وليدة اليوم بل هي امتداد لتاريخ طويل من الاغتيال المعنوي في المجتمع المصري الذي شهد حملات تشويه منظمة ضد شخصيات عامة وعامة الناس على حد سواء لافتاً إلى أن فهم هذا التاريخ ضروري لمواجهة التحديات الحالية خاصة أن الأداة تغيرت دون أن يتغير جوهر الظاهرة.
وصرح أكرم ألفي بأنه في الماضي، كان الاغتيال المعنوي مقتصرًا على القهوة، النوادي، أو الصحف، ويحدث داخل دوائر متفقة في الرأي أما اليوم، فوسائل التواصل الاجتماعي توسع النطاق، محولة النقاش إلى حشد جماعي يتجاوز الحدود الاجتماعية والطبقية. لافتاً إلى أن هذا التوسع له جوانب إيجابية إذ يدفع نحو آراء متعددة مما يقلل التطرف لدى الجمهور العام ويعزز الاعتدال كما يتيح لأصوات من بيئات متنوعة مناقشة قضايا عامة مما يثري الوعي المجتمعي.
وضرب مثالا بقضية “فتاة العتبة” في بداية التسعينيات، فهي مثال صارخ على اغتيال معنوي لشخص عادي. والتي تعرضت لتحرش جماعي في ميدان عام بنهار رمضان، لكن الصحف المحافظة حوّلت الضحية إلى متهمة، متسائلة عن ملابسها وتصرفاتها، مما يعكس ثقافة اللوم الاجتماعي التي تسبق القانون.
وكشف أكرم الألفي إن جوهر حرية الرأي والتعبير هو حق المجتمع في المساءلة والنقاش لكنها لا تمنح بأي شكل من الأشكال تفويضاً قضائياً للجمهور معتبراً أن النقاش حق من حق الجميع تداول القضايا العامة لكن في النهاية الكلمة للقضاء فهو وحده الفيصل في ذلك الأمر.
وأوضح أكرم ألفي أنه في ظل تصاعد ظاهرة “الاغتيال الرقمي” بات من الضروري التفرقة بين ضجيج المنصات و”منطق الحقائق” لافتاً إلى إن ما نشهده اليوم ليس مجرد نقاشات عامة بل هو انقسام ديموجرافي وتقني يستوجب التحليل قبل إطلاق الأحكام مشدداً على أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست كتلة واحدة ففيسبوك بات يمثل “ميدان الجيل الكلاسيكي (ما فوق سن الـ 40) حيث تعكس النقاشات اهتمامات وتوجهات جيل بعينه ولا يمكن بحال من الأحوال تعميم قضاياه باعتبارها تعبيراً عن نبض الشباب.
وتابع أكرم ألفي حديثه: أنه في المقابل تسيطر الأجيال الشابة (تحت سن الـ 30) على مساحات تيك توك إنستجرام ويوتيوب وهي منصات تعتمد على الصورة واللحظية مما يجعل وتيرة الحشد فيها أسرع وأكثر حدة لكنها تنفصل تماماً عن سياقات فيسبوك مضيفاً إن الخلط بين هذه العوالم يؤدي إلى تكوين صورة ذهنية غير واضحة الملامح عن الرأي العام الحقيقي.
وذكر أكرم ألفي إن السوشيال ميديا تفتح الباب أمام تدفق آراء متنوعة ومختلفة من طبقات وأجيال وبيئات اجتماعية وثقافية ومادية متعددة مما يولد جدلًا أوسع وأكثر تعقيدًا ويفرض على الجميع مواجهة وجهات نظر مخالفة عكس الماضي عندما كان الحوار يدور داخل حدود القرية أو الأسرة الممتدة أو السوق أو دور العبادة حيث يغلب التوافق في الآراء والقيم، وبالتالي كانت الأحكام المطلقة أكثر شيوعًا والتطرف أكثر استقرارًا داخل هذه الدوائر المغلقة.
وقال أكرم ألفي إن هذا التطور يحمل جانبًا إيجابيًا واضحًا حيث يقلل من حدة التطرف لدى الجمهور العام لأن التعرض المستمر للآراء المتنوعة يدفع نحو الاعتدال والتفكير النقدي ويبني وعيًا أكبر بتعقيدات المجتمع مؤكداً في الوقت نفسه أنه يجعل النقاش بين أصحاب الآراء الثابتة أكثر حدة ومواجهة لأن المنصات تكافئ ‘الصوت العالي’ والاستفزاز والانفعال مما يعزز الاستقطاب بين النشطاء والمؤثرين.
وأشار ألفي إلى فشل بعض الشخصيات العامة في بناء جمهور واسع لأنها اكتفت بخطاب يرضي ‘فقاعتها’ الخاصة فقط، بينما نجحت أخرى لأنها اعتمدت أسلوب المواجهة المباشرة والجريئة مستفيدة من آليات الخوارزميات التي تفضل التفاعل العاطفي الشديد موضحاً أن هذا الدفع نحو ‘الصوت العالي’ يمثل تحديًا لكنه أيضًا فرصة لتحويل النقاش من مجرد صراخ إلى حوار حقيقي يثري المجتمع.