ساهم موقع مقر نظام الحكم في تسريع سقوط الرئيس الفنزويلي ففي عالم السياسة، لا تُبنى العواصم لتكون مراكز تجارية أو سكنية فحسب، بل هي “القلاع الأخيرة” التي يترتب على سقوطها انهيار الدولة أو النظام.
ويثير القلق الحالي بشأن موقع مقر الحكم في كراكاس، ومن قبله واشنطن، وصولاً إلى العاصمة الإدارية الجديدة في مصر، تساؤلاً جوهرياً: هل تضحي الدول بسلامتها الاستراتيجية مقابل القرب من سواحل التجارة أو سهولة الوصول؟
1/ كراكاس وفخ “العشرة كيلومترات”
تمثل كراكاس نموذجاً صارخاً لغياب العمق الجغرافي. وقوع القصر الرئاسي على بعد مسافة قصيرة جداً من الساحل يجعل القيادة السياسية عرضة لعمليات “الرأس المقطوع” (Decapitation Strikes). في العلوم العسكرية، يعني هذا أن العدو لا يحتاج لاحتلال الدولة، بل يكفيه إنزال بحري خاطف أو غارة جوية محدودة لإنهاء النظام. فنزويلا، بمساحتها الشاسعة، كان بإمكانها نقل مركز ثقلها نحو الداخل (العمق البري) لتعقيد أي تدخل خارجي، وهو ما جعل نظام “مادورو” دائماً تحت ضغط التهديدات البحرية المباشرة.
2/ العاصمة الإدارية المصرية: هل اقتربنا من الخطر؟
يثير نقل العاصمة المصرية إلى الشرق تباثاً في الآراء الأمنية. وجهة النظر المنتقدة ترى أن التحرك شرقاً نحو السويس وسيناء يقرب “قلب الدولة” من الجبهة الأكثر اشتعالاً تاريخياً (الشمال الشرقي).
تاريخياً: كان الفراعنة يختارون “طيبة” (الأقصر) أو “منف” لضمان البعد عن الغزوات الآتية من الشمال أو الشرق.
الرؤية النقدية: يرى البعض أن وضع مقرات الحكم والقيادة العسكرية في نقطة أقرب للقناة يجعلها ضمن المدى الحيوي لأي صراع مستقبلي، بينما يمنح الصعيد (مثل بني سويف أو المنيا) عمقاً دفاعياً وحماية طبيعية بسلاسل الجبال وصعوبة التضاريس.
3/ دروس التاريخ: من حريق واشنطن إلى عبقرية برازيليا
لا يقتصر هذا الضعف على الدول النامية؛ فالتاريخ يذكر أن الولايات المتحدة دفع ثمن “ساحلية” واشنطن في عام 1812 عندما أحرق البريطانيون البيت الأبيض. في المقابل، قدمت البرازيل درساً في “السيادة الجغرافية” عندما نقلت عاصمتها من ريو دي جانيرو الساحلية إلى برازيليا في قلب الغابة.
الهدف: ليس فقط حماية الحكم من القذائف البحرية، بل تحقيق “التوازن التنموي” ومنع الأطراف من الشعور بالتهميش، وهو ما فشلت فيه دول مثل السودان، حيث أدى تمركز السلطة في أقصى الشمال إلى انفصال الجنوب الذي شعر ببعده عن “المركز”.