تواجه كليات ومعاهد الإعلام في وقتنا الراهن “أزمة هوية” غير مسبوقة، وضعت التخصص بأكمله في مأزق وجودي يهدد بإغلاق أبوابها أو تحولها إلى جزر معزولة عن الواقع. فبين مطرقة التطور التقني المتسارع، وسندان السياسات الإدارية التقليدية، بات خريج الإعلام يجد نفسه “خارج الخدمة” في سوق عمل لم يعد يعترف إلا بالمهارة والموهبة المدعومة بالتكنولوجيا.
انحسار التخصص.. عوامل التقانة والتأميم
لم يعد تراجع أعداد المقبلين على دراسة الإعلام مجرد ظاهرة عابرة، بل هو نتيجة طبيعية لعوامل متراكمة، أبرزها التوسع غير المدروس في إنشاء الكليات دون النظر لمتطلبات سوق العمل. هذا السوق الذي تعرض لعمليات “تأميم وحصر” أدت إلى ضيق مساحات الإبداع، وتحول المؤسسات الإعلامية إلى كيانات تابعة وباهتة تفتقر للروح المهنية المستقلة، مما أفقد الطالب الحافز لخوض غمار هذه التجربة.
“المواطن الصحفي”.. هل سحب البساط من الأكاديميين؟
جاءت الطفرة الرقمية لتوجه “الضربة القاضية” للنموذج الأكاديمي القديم. اليوم، شعار المرحلة هو “لا دراسة ولا وجع قلب”؛ إذ أثبت المؤثرون وصناع المحتوى من غير المتخصصين أن الموهبة مع توظيف الذكاء الاصطناعي وتطبيقات الإنترنت تكفي لصناعة منصة رابحة ومؤثرة. هذا الواقع يطرح سؤالاً مرعباً: ما هي الحاجة المجتمعية لكليات الإعلام إذا كان “الموهوب التقني” يتفوق على “الخريج الأكاديمي”؟
التشتت بين “العلم والفن” والخطط الدراسية العقيمة
يرصد الخبراء حالة من التشتت الجذري داخل أروقة التعليم الإعلامي؛ حيث تقف الكليات حائرة بين تدريس المهنة (الفن) وبين النظريات الجامدة.
مقررات مشتتة: لا يمكن لطالب أن يتقن الإدارة أو اقتصاديات الإعلام أو التكنولوجيا من خلال “مقرر واحد” عابر.
إطار مرجعي قاصر: إن فرض 30% من المقررات الثقافية بحجة بناء “الإعلامي المثقف” أثبت فشله؛ فالثقافة تراكم معرفي يبدأ من النشأة، ولن تصنعه بضع ساعات دراسية متناثرة “تأخذ من كل علم بطرف” على حساب المهارة المهنية.
تخصصات تحتضر: بينما تتوارى الصحافة الورقية وينتحر المفهوم التقليدي للعلاقات العامة، لا تزال بعض الخطط الدراسية تعيش في جلباب الماضي.
تجارب وئدت في المهد
يشير التقرير بأسف إلى فشل تجربة “امتحانات القبول” التي استهدفت انتقاء المواهب. هذا الفشل لم يكن نابعاً من الفكرة ذاتها، بل من “ضعف المقاييس وتهافت الامتحان”، ثم جاء قرار المجلس الأعلى للجامعات بالإلغاء السريع ليقضي على فرصة التقييم والتطوير، تاركاً الباب مفتوحاً لكل من هب ودب دون معيار حقيقي للموهبة.
خارطة طريق للإنقاذ: دعوة للمبادرة
إن المأزق الحالي يستوجب “ثورة تصحيحية” شاملة تبدأ بتنادي مؤسسات التعليم الإعلامي لعقد مؤتمر واقعي، بعيداً عن الشعارات، يناقش:
إعادة النظر الجذري في الخطط الدراسية والتدريبية لتواكب عصر “ما بعد الرقمية”.
تأهيل الكادر التدريبي من المعيد إلى الأستاذ ليكونوا ممارسين تقنيين لا ناقلين لنصوص قديمة.
تجسير الفجوة بين غرف الأخبار وصالات التحرير وبين قاعات المحاضرات.