جسدت مثالية الإمام علي بن أبي طالب في قراراته مفارقات بين المثالية الأخلاقية والواقعية السياسية.
ويعد أبرز مثال على ذلك عندما قرر علي بن أبي طالب تحريم الغنائم في معركة صفين، بالإضافة إلى، امتناعه عن الهجوم على معاوية بعد انتصاره في حرب الجمل.
وقد أثرت هذين القرارين عبر منظور سياسي وتاريخي، و تداعياتهما على مشروع الإمام في الحكم، واستخلاص دروس معاصرة.
تحريم الغنائم في معركة صفين
في معركة صفين (37 هـ/657 م)، واجه الإمام علي معاوية بن أبي سفيان في صراع بلغ ذروته بعد الفتنة الكبرى. وبينما كان جيش الإمام يحقق تقدمًا في الأيام الأولى، اتخذ قرارًا بمنع جنوده من سلب غنائم المنهزمين من جيش معاوية، معتبرًا أن الخصوم مسلمون وليسوا كفارًا يُستباح مالهم.
التحليل السياسي
الخلفية الثقافية: كانت الغنائم جزءًا لا يتجزأ من الثقافة العربية قبل الإسلام وبعده، حيث شكلت حافزًا ماديًا للمقاتلين. الإسلام قنن هذه العادة (الأنفال: 41)، لكنها ظلت راسخة في وجدان المقاتلين، خاصة في حروب الردة وما تلاها.
موقف الإمام: عكس قرار الإمام مثالية أخلاقية، حيث رأى أن القتال يهدف إلى إصلاح الانحراف العقائدي لا السلب المادي. لكنه اصطدم بواقع جيش متنوع، يضم مقاتلين قبليين لم يحملوا نفس الرؤية النبيلة.
التداعيات: أدى القرار إلى زعزعة معنويات الجيش، حيث شعر المقاتلون بخيبة أمل بعد حرمانهم من مكافأة النصر. هذا التفكك الداخلي مهد لظهور الخوارج لاحقًا، وأضعف تماسك التحالف أمام براجماتية معاوية الذي استرضى جنوده بالمكافآت.
كان قرار تحريم الغنائم نقطة تحول، حيث تحطمت آمال بناء دولة مثالية على صخرة الواقع القبلي، مما أدى إلى انهيار مشروع الإمام السياسي تدريجيًا.
الامتناع عن الهجوم على معاوية بعد حرب الجمل
بعد انتصار الإمام في حرب الجمل (36 هـ/656 م) ضد طلحة والزبير وعائشة، أصبح في موقف قوة عسكرية وسياسية، مع بيعة الأمصار له كخليفة. ورغم ذلك، اختار عدم الهجوم الفوري على معاوية في الشام، مفضلاً المراسلات والدعوة إلى الطاعة.
التحليل السياسي
فلسفة الحكم: عكس قرار الإمام رؤية ترى في وحدة الأمة أولوية تفوق الحسم العسكري. كان يدرك أن الحرب قد تمنحه النصر، لكنها ستزرع بذور الفتنة والانقسام.
الدلائل النصية: في خطبته بعد الجمل (نهج البلاغة، خطبة 54)، أكد الإمام أنه تجنب الحرب رجاء عودة خصومه إلى الحق. كما رفض الغدر رغم قدرته عليه، معتبرًا أن الحق لا يُبنى بالفجر (نهج البلاغة، الحكمة 200).
رد فعل معاوية: استغل معاوية هذا التريث لتعزيز موقفه في الشام، مما جعل المواجهة لاحقًا أكثر تعقيدًا في صفين.
كان قرار الإمام تجسيدًا لسياسة الرحمة، لكنه أتاح لمعاوية فرصة تعبئة قواه، مما أطال أمد الصراع وأضعف فرص الحسم المبكر.
التوازن بين القيم والواقع: يُظهر قرارا الإمام أن المثالية المطلقة قد تتعارض مع متطلبات الحكم، مما يستدعي مرونة سياسية دون التفريط بالمبادئ.
أولوية الوحدة: اختيار الإمام للرحمة بعد الجمل يعلمنا أن الدماء لا تبني دولًا، وأن الحكمة قد تكون في التريث لا التعجل.
فهم السياق: نجاح معاوية البراجماتي مقابل تعثر الإمام يبرز أهمية فهم السياق الاجتماعي والثقافي للشعوب في إدارة الصراعات.
تكشف قرارات الإمام علي في صفين وبعد الجمل عن شخصية فريدة، جمعت بين النبل الأخلاقي والتحديات السياسية. ورغم أن هذه القرارات أدت إلى تعثر مشروعه السياسي، فإنها تركت إرثًا فكريًا وسياسيًا يُلهم الأجيال. ففي زمن الاستقطاب والعنف، تظل رؤية الإمام دعوة للتأمل في كيفية بناء الدول على أسس العدل والرحمة، لا السيف والدم.