تواجه مصر تحد تقني هائل يختص بحاجتها الماسة إلى سن تشريع خصيصا لاستخدامات الذكاء الاصطناعي المتسارع في ظل تحكم الثورة الرقمية قبضتها على مجريات الحياة من حولنا مع اندفاع العالم نحو توطين الاعتماد على الخوارزميات التوليدية بسرعة مذهلة، أصبحت مصر أمام تحدٍّ استراتيجي حاسم؛ كيف تحكم التشريعات مخاطر التقنيات الذكية وتحمي المصريين من مخاطر وأخطاء استخدامها وتعزز من الاستفادة من مزاياها بما يجعلها فرصة واعدة إلى قوة دافعة.
ويُعد سن قوانين واضحة أمراً حاسماً لضمان الاستخدام الأخلاقي والآمن، وحماية المجتمع من المخاطر، وتمكين مصر من احتلال مكانة متقدمة كمركز إقليمي رائد للابتكار في الشرق الأوسط وأفريقيا. ذلك مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025-2030 التي تستهدف رفع مساهمة قطاع تكنولوجيا المعلومات في الناتج المحلي الإجمالي إلى 7.7%، وتأهيل 30 ألف خبير، ودعم أكثر من 250 شركة ناشئة.
ورغم امتلاك مصر إطارًا استراتيجيًا متكاملاً يتمثل في الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي (الإصدار الثاني 2025-2030)، بجانب الميثاق المصري للذكاء الاصطناعي المسؤول (2023)، وإطار الحوكمة الوطني للذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى قوانين قائمة مثل قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، إلا أنها تبقى غير كافية بمفردها لمواجهة التحديات العملية والقانونية الناشئة.
فالاستراتيجية تُعد خريطة طريق طموحة، لكن تنفيذها الفعال يتطلب تشريعًا ملزمًا يوفر ضمانات قانونية واضحة، يحدد المسؤوليات، يصنف المخاطر، ويفرض عقوبات رادعة على الإساءة في استخدام الذكاء الاصطناعي – خاصة في مجالات التزييف الرقمي، الجرائم الإلكترونية، وحماية الحقوق.
وهو ما يفسر التقدم الملحوظ في إعداد مشروع قانون تنظيم الذكاء الاصطناعي، الذي يُعد خطوة تكميلية ضرورية لتحويل الرؤية الاستراتيجية إلى واقع ملموس، يحمي المجتمع، يعزز الثقة، ويضع مصر في مصاف الدول الرائدة إقليميًا في حوكمة الذكاء الاصطناعي بتوازن بين الابتكار والأمان.
وكانت مصر تقدمت إلى المركز الثاني والعشرين عالميًا في مؤشر نضج الحكومة الرقمية (GTMI) لعام 2025 الصادر عن البنك الدولي. كما حققت مصر تقدمًا ملحوظًا في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025 الصادر عن مؤسسة Oxford Insights، حيث جاءت في المرتبة الأولى أفريقيًا، وتقدمت 14 مركزًا على المستوى العالمي لتصل إلى المركز الحادي والخمسين من بين 195 دولة، كما تقدمت إلى المركز الثالث عربيًا مقارنة بالمركز السابع عربيًا في العام السابق؛ وتصدرت الترتيب العالمي في محور قدرة السياسات ضمن المؤشر ذاته. كما أن أحدث الإحصاءات حول السباق العالمي المتسارع لتنظيم الذكاء الاصطناعي كشفت أن أكثر من 72 دولة حول العالم قد أطلقت أكثر من 1000 مبادرة وسياسة تشريعية متعلقة بالذكاء الاصطناعي حتى مطلع 2026، وفقًا لقاعدة بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).
وارتفع عدد الإشارات إلى الذكاء الاصطناعي في المناقشات التشريعية بنسبة 21.3% خلال 2024 عبر 75 دولة رئيسية، ليصل إلى 1889 إشارة – أي تسعة أضعاف ما كان عليه عام 2016 – بحسب تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي من جامعة ستانفورد 2025.
ويُعد قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act) – الذي دخل حيز التنفيذ تدريجيًا منذ أغسطس 2024 – أبرز التشريعات الشاملة، إلى جانب قانون إطار الذكاء الاصطناعي الكوري الجنوبي الذي صدر في يناير 2025، بينما تتجه عشرات الدول نحو إدراج مواد تنظيمية ضمن قوانينها القائمة لموازنة الابتكار وحماية المجتمع.
كشف مصدر مسؤول بوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تصريحات عن ملامح الخطة التشريعية للمرحلة المقبلة، مؤكداً أن الوزارة تضع اللمسات النهائية لإطار قانوني شامل ينظم استخدامات الذكاء الاصطناعي، بما يضمن ريادة الدولة في هذا القطاع الحيوي مع توفير أقصى درجات الحماية للمواطن.
وأوضح المصدر أن التوجه الحالي للوزارة يرتكز على إحداث “توازن دقيق” لم يعد يحتمل التأجيل؛ مضيفاً: “نحن نسير في مسارين متوازيين؛ الأول هو حماية خصوصية بيانات المواطنين وسريتها كحق أصيل، والثاني هو إتاحة هذه البيانات ومعالجتها بمرونة لدعم ابتكارات الذكاء الاصطناعي”.
وشدد المصدر على أن البيانات هي القوة الضاربة في الصناعة الحديثة، وأن حوكمتها بشكل يسير وسهل هي المفتاح الحقيقي لتنمية الاقتصاد الرقمي وجذب الاستثمارات العالمية في هذا المجال.
وحول موقف الدولة من التشريعات العالمية، أشار المصدر إلى أن الوزارة تتابع عن كثب التجربة الأوروبية التي تعد الوحيدة عالمياً التي أصدرت قانوناً متكاملاً للذكاء الاصطناعي حتى الآن، مضيفاً: “نحن لا نستنسخ تجارب الآخرين، بل ندرس كافة النماذج الدولية المتقدمة لنختار منها ما يتوافق مع أهدافنا الوطنية وخصوصية المجتمع المصري”.
وقال المصدر أن الدولة تمتلك بالفعل “باقة من التشريعات” القوية التي تحمي البيانات الشخصية في الوقت الراهن، إلا أن المرحلة القادمة ستشهد طفرة نوعية من خلال “التشريع المرتقب للذكاء الاصطناعي” الذي سيعزز من قدرة الدولة على مواكبة الثورة التقنية العالمية بشكل آمن وأخلاقي مؤكداً على أن العمل يجري حالياً “بخطى متسارعة” لإنجاز هذا التشريع، ليكون حجر الزاوية في بناء منظومة رقمية متكاملة تخدم المواطن وتدفع بعجلة التنمية التكنولوجية إلى آفاق غير مسبوقة.
ويواجه مسار سن تشريع خاص بالذكاء الاصطناعي في مصر عدة تحديات جوهرية تعيق إصداره بسرعة من أبرز هذه العقبات غموض الإطار القانوني الحالي في التعامل مع قضايا معقدة مثل ملكية المحتوى الذي يولده الذكاء الاصطناعي، والمسؤولية عن القرارات الآلية، والتحيزات الخوارزمية، بالإضافة إلى ضعف البنية التحتية للبيانات عالية الجودة والقدرات الفنية المؤهلة. كما يبرز تحدي التوازن الدقيق بين تشجيع الابتكار وحماية المجتمع من مخاطر التزييف الرقمي والجرائم الإلكترونية، فضلاً عن الحاجة إلى بناء قدرات مؤسسية قوية للرقابة والتنفيذ، ومواءمة التشريع مع المعايير الدولية دون إبطاء التنمية الرقمية. وتتطلب هذه التحديات جهداً تشريعياً مدروساً يجمع بين الخبرة الفنية والرؤية الاستراتيجية لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة تنموية آمنة ومستدامة، فضلا عن غموض المسؤولية القانونية عن الأضرار الناتجة عن قرارات الذكاء الاصطناعي أحد أبرز التحديات التي تواجه مسار التشريع في مصر. فمع قدرة الأنظمة الذكية على اتخاذ قرارات مستقلة أو شبه مستقلة، يصبح من الصعب تحديد الطرف المسؤول – هل هو المطور، المستخدم، الشركة المالكة، أم النظام نفسه؟.
ويتعارض هذا الغموض مع المبادئ التقليدية للمسؤولية المدنية والجنائية في القوانين المصرية الحالية، مما يثير مخاوف من عدم وجود إطار واضح للتعويض عن الأخطاء أو التحيزات الخوارزمية، خاصة في قطاعات حساسة مثل الصحة، العدالة، والتوظيف. وبالتالي، يتطلب أي تشريع جديد إعادة صياغة دقيقة لقواعد المسؤولية لضمان العدالة والثقة في التقنية.
من جانبه صرح النائب أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، عن إعداد مسودة مشروع قانون شامل لتنظيم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى الحكومة المصرية في خطوة تُعد الأولى من نوعها على المستوى التشريعي المصري. وأوضح بدوي في تصريحاته أن مجلس الوزراء سيبدأ فورًا في مراجعة المسودة تمهيدًا لعرضها على البرلمان خلال الفترة المقبلة، على أن يتم مناقشتها داخل لجنة الاتصالات لإجراء أي تعديلات فنية أو قانونية ضرورية قبل رفعها للتصويت النهائي. ومن المرتقب إحالة القانون بعد ذلك إلى رئيس مجلس النواب لاعتماده، مع توقعات بإقراره رسميًا قبل نهاية عام 2026.
دمج التشريعات الجديدة ضمن قانون تقنية المعلومات الحالي
وأكد بدوي أن اللجنة قررت – بعد دراسة معمقة – عدم إصدار قانون مستقل للذكاء الاصطناعي، بل إدراج مواد تشريعية جديدة متخصصة ضمن قانون تقنية المعلومات القائم. وأرجع ذلك إلى رغبة المشرع في تسهيل التطبيق السريع وتسريع عملية الموافقة والتداول، فضلاً عن تجنب التعقيدات الإجرائية التي قد تنشأ عن إعداد قانون كامل جديد.
وكانت اللجنة قد بدأت فعليًا في إعداد وصياغة هذه المواد التشريعية قبل نهاية نوفمبر 2023، بهدف تقنين استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات الحياة العامة في مصر.
وأشار بدوي إلى أن هذا التحرك يأتي في سياق التوجه العالمي المتسارع نحو الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل نماذج المحادثة المتقدمة «ChatGPT» و«Google Bard» (المعروفة الآن بـ«Gemini») والواقع الافتراضي. مؤكداً على أن مصر لا تتجه مطلقًا نحو فرض رقابة على استخدام «الروبوتات» الذكية أو أدوات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بل تسعى إلى تنظيم الاستخدام بما يحقق التوازن بين الابتكار والحماية.














