مازالت كواليس التفاعل الإعلامي مع الحرب الأمريكية على إيران تكشف يوما بعد يوم عن تأثيرات استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي كنجم بارز في تغيير مسار خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي جذريا وتأثيره على وعي النشطاء من جهة وتضليل ملايين المتابعين من جهة أخرى لتتعاظم هذه الخوارزميات إلى محركات دعاية هائلة تنتج وتضخم المحتوى العاطفي بسرعة فائقة مع تعزيز تعبئة استقطاب المؤيدين في حملات موحدة وتشويه معلومات المستخدمين في الوقت ذاته بالضباب المعلوماتي المكثف ليثبت الذكاء الاصطناعي التوليدي قدرته البارزة على إعادة صياغة الإدراك الجماعي محولاً الحقيقة إلى أداة قابلة للتلاعب في أكبر حرب معلوماتية رقمية شهدها التاريخ الحديث.
ومع تجاوز الحرب يومها الأربعين أضحى الذكاء الاصطناعي سلاحا أساسيا غير متكافئ يتيح إنتاج آلاف الوحدات الإعلامية المزيفة يوميا مما يعمق ضباب الحرب ويصعب تمييز الحقيقة من التضليل. هكذا تحول الخوارزميات من أداة تحليل إلى محرك رئيسي للحرب النفسية والإعلامية في عصرنا تعود جذور استخدامها في التأثير الإعلامي خلال الحروب إلى بدايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين حيث تحولت الحروب المعلوماتية من الدعاية التقليدية إلى عمليات هجينة مدعومة بالتقنيات الحديثة حيث بدأت التجارب المبكرة مع حملات التضليل الروسية في انتخابات 2016 الأمريكية وأزمة القرم 2014 مستفيدة من البوتات والتحليلات التنبؤية ومع ذلك شكل غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022 نقطة تحول حقيقية إذ استخدمت التزييف العميق لأول مرة على نطاق واسع مثل الفيديو المزيف للرئيس الأوكراني زيلينسكي الذي كان يدعو خلاله للاستسلام مما أدى إلى انتشار سريع عبر منصات التواصل وتلت ذلك حرب غزة 2023-2024 حيث اعتمدت إسرائيل على أنظمة الذكاء الاصطناعي مثل لافندر للاستهداف بينما استخدمت الأطراف المتنازعة صورا وفيديوهات مولدة لتشكيل الرأي العام وهو الأمر نفسه الذي شهدته مواجهة إيران-إسرائيل 2025 وصولا إلى الحرب الأمريكية-الإيرانية 2026 .
ومع التحول النوعي للمواجهات العسكرية الحديثة إلى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي ضمن التفاعل الإعلامي حيث أصبح أداة أساسية لإنتاج وتضخيم المحتوى المضلل بكفاءة غير مسبوقة ففي غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022 سُجل أكثر من 15 ألف محتوى مزيف ديب فيكس وصور مولدة في الأشهر الأولى وفق تقارير الاتحاد الأوروبي.
وخلال حرب غزة 2023-2024 تجاوز عدد المنشورات الاصطناعية 250 ألف وحدة حسب تحليلات Cyabra المتخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي وتحليل وسائل التواصل الاجتماعي أما في الحرب الأمريكية-الإيرانية فقد أنتجت حملات إيران 37 ألف وحدة محتوى في الأسبوع الأول فقط محققة أكثر من 145 مليون مشاهدة بينما رصدت نيويورك تايمز 110 تزييف عميق ديب فيكس في الأسبوعين الأوليين فيما أظهرت دراسات جامعة جنوب كاليفورنيا ويورونيوز أن المحتوى العاطفي المولد بالذكاء الاصطناعي ينتشر بسرعة تفوق الحقيقي من 6 إلى 10 مرات.
قال الدكتور وليد حجاج خبير أمن المعلومات أن أدوات الذكاء الاصطناعي تلعب دور مؤثر وفعال في التأثير على وعي النشطاء خلال الحرب الأمريكية-الإيرانية 2026 بطريقة مزدوجة ومعقدة حيث عززت من قدرات التعبئة في الوقت نفسه الذي أدت إلى تشو الوعي الجماعي لديهم موضحاً في تصريحات خاصة من الذكاء الاصطناعي في رفع كفاءة النشطاء المؤيدين لإيران وحسابات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني من خلال إنتاج محتوى انتصاري سريع ومؤثر وتابع حجاج أن ذلك شمل مقاطع الفيديو بأسلوب ليجو تسخر من الرئيس ترامب وتزييف عميق (ديب فيكس) تصور ضربات إيرانية ناجحة وقد ساعد هذا النوع من المحتوى في توجيه النشطاء نحو حملات موحدة ومنسقة مستفيداً من نسبة المعارضة الأمريكية للحرب التي بلغت 58% حسب استطلاعات إبسوس وأشارت صحيفة الجارديان إلى أن إيران أعادت توجيه حساباتها السابقة التي كانت تنشر حول قضايا مثل استقلال اسكتلندا وأيرلندا نحو التركيز على الحرب فوراً مما رفع مستوى الوعي الجماعي لدى النشطاء بمفهوم المقاومة الإيرانية.
وأضاف حجاج أنه من الناحية المقابلة تحول النشطاء أنفسهم إلى ضحايا للضباب المعلوماتي أدت الفيديوهات المزيفة مثل مشاهد جنود أمريكيين يبكون أو غرق حاملة الطائرات إبرام لينكولن إلى صعوبة بالغة في تمييز الحقيقة مما أدى إلى انتشار معلومات خاطئة داخل الدوائر النشطة الاستراتيجية الإيرانية بأنها تعتمد على الكم لا الجودة مما يربك حتى النشطاء المحترفين ويجعلهم يعتمدون على محتوى غير موثوق كما استخدم الذكاء الاصطناعي في عمليات الترهيب ضد النشطاء الإيرانيين في الخارج من خلال حسابات مزيفة تبث تهديدات مباشرة.
من جانبها قالت انجي الطوخي الرئيس التنفيذي للجمعية المصرية للصحفيين وخبير التدقيق الصحفي، أن استخدام الذكاء الاصطناعي فى الحرب الأمريكية – الإيرانية جاء كسلاح نفسي مهم، بداية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذى كان يستخدام فيديوهات معدلة بالذكاء الاصطناعي للسخرية أو انتقاد معارضيه أو حتى من رؤساء الدول الأوروبية الذين يرفضون المشاركة فى الحرب موضحة أن استخدام الذكاء الاصطناعي فى توليد فيديوهات من الجانب الإيراني خصوصا فى تصوير الصواريخ التى يتم إطلاقها من جانب إيران تجاه الأهداف الأمريكية بهدف التأكيد على القوة الإيرانية.
ولفتت انجي الطوخي أن تأثير الذكاء الاصطناعي على التفاعل الإعلامي يمثل أحد أسس الحرب النفسية بين الدولتين، بهدف إظهار القوة العسكرية والاستراتيجية وإرهاب العدو، ولكن كان هناك استخدام آخر للذكاء الاصطناعي وهو رواد السوشيال ميديا الذين يتابعون الحرب عن كثب، ومنهم من يؤيد الولايات المتحدة الأمريكية فى حربها على إيران ومنهم من يؤيد إيران. مستشهدة بانتشار مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي مولدة بالذكاء الاصطناعي توضح كمية التدمير التى تسببت فيها إيران على دول الخليج العربي وبعضها مفبرك بهدف مسح أى محاولة للتعاطف مع إيران بعد الهجوم عليها كذلك ظهور مقاطع اخرى مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر انفجارات عنيفة فى إيران تسبب بها القوات الأمريكية، ولكن للأسف بعد فترة من انتشار هذه الفيديوهات تم اكتشاف أنها فيديوهات بالفعل لحرائق وانفجارات ولكن فى بلاد أخرى، والهدف كسب تحقيق شعبية تجاه إيران.
وتابعت الطوخي إن الذكاء الاصطناعي وأدواته المختلفة سواء وسائط أو نصوص سوف تكون مادة ثرية بعد انتهاء الحرب الحالية للكشف عن مخاطبة الرأى العام العالمي وليس الأقليمي فقط، فمثلا الشعب الأمريكي الذى خرج بعد مرور شهر من الحرب الأمريكية- الإيرانية للتظاهر ضد «ترامب» كان فى البداية متأثر بالخطاب الإعلامي سواء الأمريكي أو الإسرائيلى الذى يصور الهجوم على إيران بأنه تجنب لمخاطر قنبلة نووية تصنعها إيران، وكان الذكاء الاصطناعي أحد تلك الأدوات، لكن مع مرور الوقت ظهرت الحقيقة أمام «الأمريكين» أن تلك الحرب لا تتناسب مع أهداف ومصالح الشعب.
وكشفت انجي الطوخي أنه من المفارقات أن البعض استخدم الذكاء الاصطناعي فى محاولة رفع الروح المعنوية بعد مقتل «خمنيئى» المرشد الأعلى لإيران، حيث تم إطلاق شائعة وفاة رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» أو اغتياله وتم الاستناد فى تلك الشائعة إلى فيديو يظهر فيه «نتنياهو» وهو يشرب كوب من القهوة وتم تحليل الفيديو بناء على «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي، وبدأ البعض يعلن بالدليل القاطع أن هذه الفيديوهات مولدة بالذكاء الاصطناعي وأن «نتنياهو» تم اغتياله، ومع مرور الوقت تم اكتشاف زيف تلك الشائعة:« قديما كان يتم استخدام الإعلام فى نقل صورة مخالفة للحقيقة عن ساحة الحرب بهدف رفع الروح المعنوية للجنود وإظهار العدو فى موقف الضعيف الذى يدافع عن نفسه كما كان يفعل «جوبلز» وزير الدعاية السياسية الألمانية ، ولكن مع تطور التكنولوجيا، لم يعد الإعلام فقط هو تلك الأداة بل أيضا وسائل التواصل الاجتماعي، ثم حاليا الذكاء الاصطناعي، وهو أمر مخيف لأن الذكاء الاصطناعي ليس من السهل اكتشافه ويحتاج فترة أطول فى كشفه ومراجعته وتصحيحه بالحقائق».

وكشف أحمد البنداري استشاري التسويق الرقمي أن الذكاء الاصطناعي لعب دوراً محورياً في “حرب المعلومات” الموازية للحرب العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية على إيران حيث بدا تأثيره واضحاً جداً على خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي وظهرت قوته في هيكلة وعي النشطاء، وتضليل المتابعين
وأكد البنداري في تصريحات خاصة أن الذكاء حول الخوارزميات من أدوات توصية محايدة إلى محركات دعاية قوية وفعالة ونتيجة لذلك تحولت خوارزميات المنصات إلى محركات دعاية تعزز الرواية الإيرانية والمناهضة للحرب لدى الجمهورين الغربي والعربي في الوقت الذي يصعب فيه على المنصات كشف التزييف بسبب الحجم الهائل والسرعة الفائقة للإنتاج.

وأشار البنداري إلى أن خوارزميات إكس انستجرام وتيك توك وفيسبوك وبلوسكاي تعتمد أساساً على نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة تعمل بنظام التعلم الآلي حيث ترتب المحتوى وفقاً لمستويات التفاعل (الإعجابات والمشاركات والمشاهدات ومدة المشاهدة). مبيناً أنه مع اندلاع الحرب أصبح الذكاء الاصطناعي وقوداً لهذه الخوارزميات من خلال مسارين رئيسيين.
وشرح البنداري أن المسار الاول يتضمن القدرة على إنتاج محتوى فائق التفاعل بتكلفة شبه معدومة. استطاعت إيران وحلفاؤها (روسيا والصين) إنتاج آلاف الفيديوهات والصور المولدة بالذكاء الاصطناعي بما في ذلك الديب فيكس والوسائط الاصطناعية في ثوان معدودة. متابعا أن هذا النوع من المحتوى يستهدف إثارة العواطف القوية كالغضب والرعب والفخر الوطني مما يجعله ينتشر بسرعة تفوق المحتوى الحقيقي من 6 إلى 10 مرات وفق دراسات جامعة جنوب كاليفورنيا ويورونيوز. وبالتالي تكافئ الخوارزميات هذا الانتشار السريع بعرضه على ملايين المستخدمين.






















