عندما يأتي الحديث حول منصة مصر الرقمية.. يأتي النقاش لمعرفة دور الدولة الحقيقي؟ فالسؤال حول منصة “مصر الرقمية” ليس سؤالًا تقنيًا بقدر ما هو سؤال يتعلق بفلسفة إدارة الدولة للاقتصاد الرقمي. فهل تنظر الدولة إلى نفسها باعتبارها منظمًا للسوق ومُمكّنًا له، أم باعتبارها لاعبًا رئيسيًا يجب أن يحتكر المساحة الاستراتيجية داخله؟.
أنشأت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في 2020 منصة مصر الرقمية باعتبارها قاطرة التحول الرقمي للخدمات الحكومية، وهي خطوة في ظاهرها إيجابية ومطلوبة. المنصة تقدم خدمات حكومية مترابطة، وتعمل على تكامل قواعد البيانات بين جهات متعددة، وتختصر دورات إجرائية معقدة عانى منها المواطن لعقود.
جوهر المسألة لا يكمن في وجود المنصة، بل في نموذج الحوكمة الذي يحكم تشغيلها وتطويرها. هل نحن أمام بنية تحتية وطنية مفتوحة تسمح ببناء منظومة أعمال حولها Ecosystem؟ أم أمام كيان تشغيلي مغلق يحتكر التطوير ويضبط إيقاع السوق من الداخل؟

التجارب الدولية تؤكد أن الدول التي نجحت في التحول الرقمي لم تبنِ اقتصادًا رقميًا عبر الاحتكار، بل عبر التمكين. الدولة هناك تضع المعايير، وتؤمّن البيانات، وتحدد أطر الحوكمة، ثم تتيح واجهات تكامل واضحة Open Data & APIs وبيئات تجريب تنظيمية Sandbox تسمح للشركات الناشئة والقطاع الخاص بابتكار حلول جديدة فوق البنية الأساسية. هكذا تنمو المنظومة، وهكذا تظهر شركات عملاقة قادرة على المنافسة عالميًا.
في المقابل، نلاحظ في مصر نمطًا متكررًا؛ فلدينا نموذج مالي مثل انستاباي يخضع لسيطرة مباشرة، ولدينا كيانات اقتصادية كبرى للتنمية المستدامة، ولدينا منصة خدمات حكومية استراتيجية تُدار داخل الإطار الحكومي ذاته. الرسالة التي تصل إلى السوق في هذه الحالة هي أن الدولة لا تكتفي بالتنظيم، بل تنافس أيضًا. وهنا يحدث الخلل.
على المدى القصير، قد يبدو هذا النموذج مغريًا؛ إذ يضمن سيطرة كاملة، ورسومًا مباشرة، وتحكمًا مركزيًا في القرار. لكن على المدى الطويل، فإن كلفة هذا النموذج أعلى بكثير. فعندما تُغلق البيانات، وتُحجز بيئات الاختبار، وتُدار المنصات الحيوية بشكل شبه حصري، فإن الابتكار يتباطأ، والاستثمارات تتردد، والقطاع الخاص يتراجع إلى دور المنفذ بدل أن يكون شريكًا في صناعة القيمة. لن تظهر شركات مصرية بقيمة مليار دولار في بيئة لا تسمح لها بالنمو فوق البنية الرقمية الوطنية.
المشكلة في جوهرها ليست في الدولة، بل في خلط الأدوار. عندما تكون الدولة هي المنظم والمشغل والمنافس والمستفيد المالي في آنٍ واحد، فإن ميزان السوق يختل، حتى لو كانت النوايا تنموية. الدولة القوية ليست التي تسيطر على كل شيء، بل التي تخلق قواعد عادلة تسمح للجميع بالتحرك داخل إطار واضح وآمن.
التحول الرقمي الحقيقي لا يعني إنشاء منصة، بل بناء اقتصاد رقمي متكامل. والاقتصاد الرقمي لا ينمو في بيئة احتكارية، بل في بيئة تنافسية منضبطة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح هو: هل نريد نموذجًا رقميًا مركزيًا يحقق عوائد سريعة، أم منظومة مفتوحة تخلق آلاف الفرص وتضاعف القيمة الاقتصادية على المدى البعيد؟.




















