لم أكن أعلم أبدًا أن ذلك الحوار العائلي الدافئ، الذي بدأ بحديث منساب عن تفاصيل مائدة الغداء العامرة بالمكرونة الشهية وملوخية الأرانب، سينتهي بنا إلى دهاليز تكنولوجيا المستقبل وتعقيدات الجيل الخامس التي تشغل العالم أجمع. فقد قطع أبي حبل أفكاري بسؤال مباغت، حمل نبرة من القلق المكتوم، وسألني بصوت هادئ يشي بخوفه على المستقبل: هل ستؤدي هذه المليارات التي تدفعها الشركات للحصول على ترددات الجيل الخامس إلى زيادة حتمية في أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت والمحمول، التي نعتمد عليها في كل تفاصيل حياتنا؟
وفي حضرة تلك الساعة الساحرة من وقت العصاري، وقبل أن أشد الرحال للمشاركة في حفل منح شركات الاتصالات ترددات الجيل الخامس بقصر محمد علي العريق، وهو الحدث الذي شهد اتفاقيات ضخمة تقارب قيمتها أربعة مليارات دولار، وبينما كانت الشمس في لحظات تجليها القصوى تستعد لمعانقة النهار في مشهد الغروب الساحر خلف بيتنا كعادتها الأزلية، انتهيت من تناول وجبتي المفضلة إلى جوار أبي على مائدة طعامنا، التي كانت وما زالت تمثل ملتقى القلوب والوجبات الشهية. عندها أخذت أفكر في سؤال والدي، الذي بدا في تلك اللحظة أكبر بكثير من مجرد استفسار تقني أو بحث عن أرقام إحصائية، بل سؤالًا يحمل في طياته هواجس المستقبل الذي نعيشه جميعًا بكل تعقيداته.
كان يتساءل في صمت عمّا إذا كانت هذه الاستثمارات المليارية الضخمة في تقنية الجيل الخامس ستُترجم في نهاية المطاف إلى عبء إضافي يثقل كاهل المواطن البسيط في حياته اليومية. فرغم ما تحمله هذه التقنية في جعبتها من وعود براقة بتغيير شكل ومضمون الخدمة، ونقلها إلى آفاق غير مسبوقة من سرعة الإنترنت، وجودة المكالمات، وقوة تغطية الشبكة، واستمرار البث المباشر دون انقطاع، يظل الخوف كامنًا من تحوّل هذه النهضة التكنولوجية إلى نزيف مالي مستمر يعترض جيوب أرباب الأسر، الذين يعانون أصلًا من ضغوط اقتصادية متلاحقة تجعلهم يحسبون ألف حساب لكل مليم ينفقونه.
إن الإجابة عن هذا التساؤل الجوهري تعتمد بالأساس على فلسفة إدارة هذا القطاع، وقدرة الجهاز التنظيمي على فرض توازن حقيقي يضمن استدامة الشركات دون المساس بقدرة المواطن الشرائية.
لم يكن الحوار بيني وبين والدي عابرًا، بل تطرق إلى جوهر القضية، وهو مدى قدرة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات على أن يكون حائط صد منيعًا يفرض الشفافية على الشركات، بحيث يتم ربط أي تعديل في الأسعار بتحسينات ملموسة يشعر بها المواطن في جودة هاتفه وسرعة تصفحه اليومي. ويأتي ذلك خاصة مع توقيع شركات الاتصالات الأربع في مصر اتفاقيات تخصيص ترددات جديدة واسعة النطاق، تتراوح بين 300 و420 ميجاهرتز في نطاقات ترددية استراتيجية، بقيمة إجمالية تتجاوز 3 مليارات و300 مليون دولار، وهي مبالغ تُضاف إلى 675 مليون دولار دُفعت سابقًا مقابل الرخص الأساسية.
وهذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات جافة، بل أعباء مالية هائلة تقع على عاتق الشركات، في ظل تحديات اقتصادية كبرى تتمثل في انخفاض قيمة العملة المحلية، وارتفاع تكاليف الطاقة والمعدات التقنية المستوردة، والضرائب المتعددة المفروضة على هذا القطاع الحيوي، ما يجعل المعادلة شديدة التعقيد بين تحقيق الربحية والحفاظ على جودة الخدمة.
واسترسل والدي في حديثه، مشيرًا إلى أن السنوات الأخيرة شهدت بالفعل زيادات فعلية وملموسة في أسعار الخدمات، وصلت في بعض مراحلها إلى نسب تراوحت بين 45% و80%، ورغم أن تلك الزيادات لم تكن مرتبطة بشكل مباشر بتدشين الجيل الخامس في ذلك الوقت، حاولت أن أوضح له الصورة من منظور اقتصادي وتقني أوسع، حيث أكد الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مناسبات عديدة أن رفع الأسعار أصبح في بعض الأحيان ضرورة ملحة لضمان استمرارية الخدمة وعدم انهيار جودتها، خاصة في ظل الاستثمارات الضخمة المطلوبة لتحديث البنية التحتية.
ومع ذلك، يظل الجهاز التنظيمي هو الرقيب الذي يحاول موازنة الكفة بين شهية الشركات للربح وحماية المستهلك. وحتى هذه اللحظة، لم يُقر الجهاز أي زيادة مباشرة مرتبطة بالترددات الجديدة، رغم تقدم الشركات بطلبات عديدة لرفع أسعار المكالمات والإنترنت وكروت الشحن لتعويض تكاليفها المتزايدة، إلا أن الجهاز يراقب بدقة التوازن بين مستوى الخدمة المقدمة والأسعار المفروضة، مؤكدًا أن الجودة يجب أن تسبق السعر.
وحتى نكون منصفين، وفي إطار التحليل المنطقي للاقتصاد الرقمي، لا يمكننا أن نتوقع من شركات الاتصالات استيعاب هذه الاستثمارات المليارية الضخمة دون البحث عن سبل لاستردادها. فالترددات الجديدة ليست مجرد أرقام وهمية، بل وقود يُترجم على أرض الواقع إلى بناء آلاف المحطات الجديدة، وتقوية البنية التحتية للألياف الضوئية، وتوسيع نطاق التغطية ليشمل المناطق النائية. وكل هذه الخطوات تكلف مبالغ طائلة لا تُدفع من فراغ، بل تُموَّل إما من أرباح المساهمين أو من خلال إعادة هيكلة أسعار الباقات التي يدفعها المستخدم النهائي، وهو الاحتمال الأقرب للواقع في ظل الظروف الراهنة.
وعندما سألني والدي بمزيد من الاستفاضة عن آلية تسعير الترددات، أوضحت له أن هذا الملف يُعد من أبرز التحديات العالمية التي تواجه صناعة الاتصالات في القرن الحادي والعشرين. إذ تدعو المنظمات الدولية إلى إعادة النظر في آليات التسعير الحكومية لتحقيق توازن دقيق بين ثلاثة أهداف محورية: ضمان عائد مالي عادل للدولة باعتبار الترددات موردًا طبيعيًا، وتمكين الشركات من امتلاك السيولة الكافية لتقديم خدمات متطورة وعالية الجودة، وتلبية متطلبات السوق المتزايدة مع ضمان ربحية مستدامة تجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.
وقد باتت أسعار الترددات حول العالم تمثل مأزقًا شاملًا للمشغلين، وأصبح خفض هذه التكاليف مطلبًا رئيسيًا وملحًا، خاصة في مصر، لأن تقليل التكلفة الرأسمالية هو السبيل الأمثل لتمكين الشركات من توجيه استثماراتها نحو تطوير البنية التحتية الحقيقية بدلًا من استنزاف ملاءتها المالية في شراء الترددات فقط، بما يحد من قدرتها على بناء الأبراج وتحسين التغطية وتطوير التقنيات الحديثة.
إن الضغط الحقيقي يكمن في الطموح للوصول إلى تغطية شاملة لتقنية الجيل الخامس خلال العقد القادم، وتحديدًا بحلول عام 2035، حيث تشير تقارير رابطة مشغلي الاتصالات العالمية إلى أن تكاليف الطيف الترددي كنسبة من إيرادات الشركات وصلت إلى مستويات قياسية تقترب من 7% عالميًا، وهو ارتفاع ضخم يضع الشركات أمام خيارين صعبين: إما تقليل الاستثمارات في التغطية أو رفع الأسعار على المستهلكين.
وفي الوقت نفسه، يتزايد استهلاك البيانات من قبل الأفراد والمؤسسات بمعدلات فلكية تفوق قدرة الشبكات الحالية، ما يدفع المستخدم للمطالبة بسرعات أعلى واستقرار أفضل، وهي مطالب مشروعة، لكنها لا تأتي مجانًا في عالم تحكمه معادلة التكلفة والعائد.
يا أبي، إن الجيل الخامس ليس مجرد رفاهية أو تقنية عابرة، بل وعد حقيقي بمستقبل رقمي أكثر سرعة وذكاء، وقادر على تغيير وجه الحياة والطب والصناعة والتعليم. لكن الأماني وحدها لا تُشغّل الشبكات المعقدة، والمليارات لا تهبط من السماء، بل هي نتاج عمل واستثمار شاق. وإذا أردنا لهذا الوعد أن يظل حقيقة ملموسة يستفيد منها كل مواطن، لا مجرد امتياز لمن يستطيع دفع فاتورة باهظة، فيجب أن تُدار السياسات السعرية بعدل وإنصاف، وأن تتحول هذه المليارات المستثمرة إلى خدمة حقيقية يلمسها المواطن في قوة إشارة هاتفه وسرعة تصفحه، لا إلى فاتورة ثقيلة تستنزف رصيده وتثقل كاهله دون مراعاة لظروفه الاقتصادية.