رصد تحقيق استقصائي موسع أعدته صحيفة نيويورك تايمز، مدعوم بعمل بصري تفاعلي، خلال عام كامل شبكة العلاقات المالية والسياسية التي نسجها الرئيس دونالد ترامب وأفراد عائلته وأقرب مساعديه منذ عودته إلى البيت الأبيض.
التحقيق لا يكتفي بسرد وقائع أو اتهامات، بل يوثق بالأسماء والصفقات والتواريخ كيف تداخلت قرارات الدولة الأمريكية مع مشاريع ربحية خاصة في قطاعات شديدة الحساسية، من العملات الرقمية والذكاء الاصطناعي إلى الرقائق المتقدمة والعقارات والدفاع. أهمية التقرير لا تكمن فقط في حجم الأموال، بل في كشفه عن نموذج حكم جديد تتآكل فيه الحدود بين المنصب العام والمصلحة الخاصة.
تُظهر خريطة العلاقات أن الرئاسة في الولاية الثانية لم تعد تعمل بمنطق المؤسسة، بل تحولت إلى (عقدة مركزية) في شبكة اقتصادية عابرة للحدود. الرئيس يجلس في قلب منظومة تربط بين أفراد عائلته، ومسؤولين حكوميين، ومستثمرين، وشركات تكنولوجيا، وحكومات أجنبية. الخطوط التي تفصل بين “إجراء حكومي” و”نشاط تجاري” لم تعد واضحة، بل متداخلة ومتصلة، بحيث يصبح القرار السياسي في كثير من الأحيان حلقة ضمن سلسلة منافع متبادلة.
التحقيق يلفت الانتباه إلى أن ترامب عاد إلى الحكم من دون التعهد الذي قطعه في ولايته الأولى بعدم إبرام صفقات دولية جديدة. هذا القرار لم يكن تفصيلاً إجرائيًا، بل فتح الباب أمام توسع غير مسبوق في الأعمال الخارجية للعائلة.
أبناؤه أعادوا توجيه نشاط “منظمة ترامب” بعيدا عن الاستثمار العقاري المباشر نحو صفقات مالية وعقود ترخيص للاسم التجاري، وهو ما ضاعف الأرباح وقلّل المخاطر القانونية، مع بقاء الرئيس مستفيدًا ماليًا عبر صناديق الثقة. العائلة تظهر في التحقيق بوصفها بنية تشغيل لا غنى عنها.
إريك ترامب ودونالد ترامب الابن يقودان التوسع العالمي للعلامة التجارية، مع صفقات في الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا، تدر في بعض الحالات أكثر من عشرة ملايين دولار للمشروع الواحد. هذه الصفقات لا تتم في فراغ، بل غالبا مع شركات مرتبطة بحكومات أو صناديق سيادية، ما يجعل العلاقة التجارية ذات بعد سياسي ضمني.
قطاع العملات الرقمية يحتل موقع الصدارة في التحقيق باعتباره المجال الأكثر وضوحًا لتداخل السلطة والربح. ترامب، الذي كان من أشد منتقدي الكريبتو، تحوّل إلى داعم سياسي وتشريعي له، فألغى قيودا تنظيمية تعود إلى عهد بايدن، وروّج علنا للاستثمار في العملات الرقمية، ووقّع تشريعات تخدم القطاع.
في الوقت ذاته، أصبحت شركات الكريبتو المرتبطة بعائلته المصدر الأكبر لثروتها الجديدة. وكان إطلاق عملة “$TRUMP” قبيل التنصيب الثاني للرئيس نموذجًا صارخًا. العملة، وهي من نوع “ميم كوين”، حققت أرباحًا ضخمة من رسوم التداول، ذهبت أجزاء منها إلى كيانات مرتبطة مباشرة بترامب وصندوقه الاستثماري.
التحقيق يكشف أن كبار المشترين حظوا بامتيازات، بينها دعوات إلى عشاء خاص مع الرئيس، وهو ما يحول الاستثمار المالي إلى أداة لصنع النفوذ السياسي.
قضية جاستن صن، مؤسس منصة “ترون”، تبرز في هذا السياق. صن أنفق أكثر من 40 مليون دولار على عملة “$TRUMP”، بينما قامت هيئة الأوراق المالية والبورصات بتجميد قضية كانت مرفوعة ضد شركته.
نيويورك تايمز لا تجزم بوجود صفقة مباشرة، لكنها تضع الوقائع جنبا إلى جنب لتظهر كيف يُنتج هذا النظام مناخًا يفهم فيه المستثمرون أن القرب المالي من دائرة الرئيس يترجم إلى معاملة تنظيمية أكثر ليونة.
شركة “وورلد ليبرتي فاينانشال”، التي أسسها ترامب مع مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف وأبنائهما، تمثل الذروة في هذا النموذج. العائلات المالكة حصلت على حصص تُقدر قيمتها بمليارات الدولارات على الورق، إضافة إلى نسب من عائدات بيع العملة الرقمية الخاصة بالشركة. الرئيس يروّج للعملة، المستثمرون يشترونها، والعوائد تتدفق إلى كيانات عائلية، في حلقة مغلقة تجمع بين النفوذ والربح.
يمتد التحقيق بعد ذلك إلى ملف الذكاء الاصطناعي والرقائق المتقدمة بوصفه أحد أخطر ميادين تداخل السياسة بالربح، ليس فقط لأن القطاع مربح، بل لأنه يرتبط مباشرة بالأمن القومي الأمريكي والتفوق التكنولوجي العالمي.
إدارة ترامب دفعت بقوة نحو توسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة، معتبرة ذلك أولوية استراتيجية، لكنها في الوقت ذاته فتحت المجال أمام شبكات استثمارية مرتبطة بمسؤولين حكوميين للاستفادة من هذا التوسع عبر الرسوم والعمولات وجمع رؤوس الأموال.
وزير التجارة هوارد لوتنيك يظهر في التحقيق بوصفه حلقة مركزية في هذا المسار. فبينما كان يضغط على حلفاء واشنطن لضخ استثمارات ضخمة في مراكز بيانات أمريكية، كان أبناؤه، الذين تولوا إدارة شركته الخاصة، يعملون على ترتيب صفقات تمويل لتلك المشاريع نفسها.
التحقيق يوضح أن هذه العمليات درّت مليارات الدولارات كرسوم على شركات يسيطر عليها أفراد من عائلة الوزير، ما يجعل الترويج الرسمي لقطاع الذكاء الاصطناعي مرتبطًا مباشرة بمصالح عائلية خاصة.
العقارات تبقى عنصرا ثابتا في الشبكة، لكن بصيغة جديدة. شركة “دار غلوبال”، الشريك الأهم لمنظمة ترامب، تقف خلف ما لا يقل عن ثمانية مشاريع تحمل اسم ترامب في دول بينها السعودية وقطر وعُمان مما يجعل كل صفقة ترخيص اسم امتدادًا غير مباشر لعلاقة سياسية.
جارد كوشنر، من جانبه، يواصل عبر صندوق “أفينيتي بارتنرز” إدارة مليارات الدولارات القادمة من السعودية ودول خليجية أخرى. التحقيق يوضح أن هذه الاستثمارات لم تتأثر بخروج ترامب من الحكم سابقًا، ما يعزز فكرة أن النفوذ هنا شبكي ومستمر، لا مرتبطًا بالمنصب فقط.
شخصيات مثل إيلون ماسك تظهر في التحقيق بوصفها مستفيدة من هذا المناخ. شركاته تخضع لإشراف وكالات حكومية، وتحصل في الوقت ذاته على عقود فيدرالية ضخمة، بينما يحتفظ ماسك بعلاقات وثيقة مع الرئيس، بصفته أكبر متبرع لحملته.
في مواجهة هذا التشابك، يلفت التحقيق إلى أن ترامب يكرر أن قوانين تضارب المصالح لا تنطبق عليه. بعض المسؤولين أعلنوا بيع حصص أو الحصول على إعفاءات، لكن نيويورك تايمز ترى أن ذلك لم يمنع تآكل المعايير التقليدية، بل ساهم في إعادة تعريفها.
الرقائق المتقدمة تمثل المستوى الأعلى من الخطورة في هذا التشابك. فالقرار الأمريكي بتخفيف القيود على تصدير الرقائق المصممة لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي ليس قرارا تجاريًا عاديًا، بل قرار سيادي له تداعيات جيوسياسية. التحقيق يكشف أن شخصيات مثل لوتنيك، وستيف ويتكوف، وديفيد ساكس لعبوا أدوارًا مباشرة في الدفع باتجاه صفقات تصدير إلى دول كانت تخضع سابقًا لتدقيق أمني مشدد، في وقت كانت فيه هذه الدول نفسها على طاولة مفاوضات تجارية مع شركات مرتبطة بعائلات هؤلاء المسؤولين.
العقارات تعود بقوة في النصف الثاني من التحقيق، ولكن ليس بصيغة الاستثمار المباشر، بل عبر نموذج الترخيص واسع الانتشار. دار غلوبال، الشريك الأهم لمنظمة ترامب، تقف خلف شبكة من المشاريع في الشرق الأوسط وآسيا، كثير منها مرتبط بجهات قريبة من حكومات أو صناديق سيادية. التحقيق يقدّر أن كل مشروع من هذه المشاريع يدر ملايين الدولارات على العائلة، من دون أن تتحمل الأخيرة مخاطر تشغيلية أو قانونية كبيرة.
جارد كوشنر يُعاد إدراجه في الشبكة بوصفه عنصر استمرارية لا انقطاع. صندوق “أفينيتي بارتنرز” الذي يديره، والمدعوم بمليارات الدولارات من السعودية ودول خليجية أخرى، لم يتأثر بتغير المواقع الرسمية، بل استمر في توسيع استثماراته. التحقيق يلمح إلى أن هذه الشبكة الاستثمارية تمثل ذراعًا موازية غير رسمية للنفوذ الأمريكي في المنطقة، لكنها تعمل وفق منطق الربح قبل السياسة.
شخصيات وازنة من عالم التكنولوجيا، وعلى رأسها إيلون ماسك، تظهر في التحقيق بوصفها جزءًا من هذا النظام البيئي. شركات ماسك تخضع لإشراف وكالات فيدرالية، وتحصل في الوقت نفسه على عقود حكومية ضخمة، بينما يحتفظ هو بعلاقات شخصية وسياسية وثيقة مع الرئيس، باعتباره أكبر ممولي حملته. هذا التداخل، كما تشير الصحيفة، يعكس تحوّل الدولة إلى شريك غير معلن لرأس المال التكنولوجي العملاق.
في مواجهة هذا المشهد، يشير التحقيق إلى أن منظومة الرقابة الأخلاقية لم تُلغَ قانونيًا، لكنها جُرِّدت من فعاليتها. المسؤولون يعلنون عن بيع حصص أو الحصول على إعفاءات، لكن هذه الإجراءات، في نظر الصحيفة، باتت شكلية ولا تمس جوهر الشبكة. بدلاً من منع تضارب المصالح، جرى احتواؤه وإدارته بوصفه مخاطرة محسوبة.
الكونجرس، رغم إثارة بعض لجانه لهذه القضايا، يبدو عاجزًا عن تفكيك الشبكة. كثافة العلاقات وتشابكها تجعل من الصعب تحديد نقطة مساءلة واحدة. التحقيق يلمح إلى أن هذا التعقيد ذاته أصبح أداة قوة، لأنه يبدد التركيز ويحول كل قضية إلى جزء من صورة أكبر يصعب الإمساك بها.
نيويورك تايمز توضح أن التداخل لم يعد محصورًا في قطاعات هامشية أو رمزية، بل وصل إلى صلب القوة الأمريكية: التكنولوجيا، الأمن، التحالفات الاستراتيجية. ما تعرضه نيويورك تايمز هنا ليس مجرد سجل لتضارب المصالح، بل تشريح لنموذج حكم بات يرى في السلطة موردا اقتصاديا مفتوحًا، وفي السوق امتدادًا طبيعيًا للقرار السياسي. النتيجة، كما يعكسها التحقيق، ليست مجرد سلسلة تضاربات مصالح، بل نموذج حكم جديد تختلط فيه السياسة بالربح بوصفهما مسارين متوازيين ومتكاملين. هذا النموذج لا يعمل في الخفاء، بل في العلن، ويستمد قوته من كثافته وتشعبه، لا من سريته.
في النهاية، لا يقدم التحقيق حكما أخلاقيا بقدر ما يقدّم خريطة. فهي خريطة تُظهر أن الخط الفاصل بين المصلحة الأمريكية ومصالح الدائرة المحيطة بالرئيس أصبح رفيعًا إلى حد التلاشي، وأن هذا التداخل لم يعد استثناءً، بل أصبح سمة مميزة للولاية الثانية لترامب.