الولايات المتحدة لصوص الثروات وسجن الجغرافيا.. حين اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية أذاع عدد من النقاد الغربيين أن صحة بوتين متدهورة وأن العالم سيرتاح قريبا من هذه الحرب حين تعلن موسكو وفاة زعيم الكرملين.
بعدها بأسابيع قليلة خرج بوتين ليقول عبارة شهيرة “ما زال من المبكر الحديث عن موتي .. الأمر نفسه يحاكي الافتتاحية التي قدمها تيم مارشال في كتابه “سجناء الجغرافيا” مستشهدا بكلمات قالها الأديب الأمريكي الشهير مارك توين حين أعرب ذات يوم قائلا ” “لقد بالغت التقارير كثيرا في مسألة موتي”.
يقول تيم مارشال إن عبارة مارك توين لم يكن يقصد بها نفسه بقدر ما كان يقصد بها الولايات المتحدة التي تنبأ لها كثير من المفكرين والنقاد – حتى من داخل الولايات المتحدة – بأن زمن قوتها قد ولى وأن زوالها بات وشيكا.
يفتتح تيم مارشال الفصل الذي تناول فيه الجغرافيا السياسية للولايات المتحدة بعبارة تضع السر الثلاثي في كلمة “الموقع..ثم الموقع…ثم الموقع”.
تتألف الولايات المتحدة من 50 ولاية أمريكية، تُشكّل أمةً متحدة بطريقةٍ تحلم بها دول الاتحاد الأوروبي الثماني والعشرين دون أن تُحققها.
تعرض تيم مارشال لقصة التطور الجيوسياسي للولايات المتحدة في نحو 20 صفحة، سألخصها في أقل مساحة ممكنة هنا بتقسم الموضوع إلى أربعة عناوين.
تكوين الولايات المتحدة
في بداية القرن 17 وصل الأوروبيون إلى الساحل الشرقي وواصلوا حرمان السكان الأصليين حريتهم والاستيلاء على أراضيهم. كانت جورجيا آخر المستعمرات الثلاث عشرة الأصلية التي أُنشئت عام 1732. ثم ازداد انضمام مستعمرات جديدة حتى اندلاع الحرب الثورية الأمريكية (1775-1783) المعروفة أيضا بحرب الاستقلال التي نجحت في ضم مزيد من الولايات في الشرق والوسط بعيدا بآلاف الأميال عن المحيط الأطلنطي في الجنوب والمحيط الهادئ في الغرب.
في أوائل القرن 19، ضم المستوطنون – على حساب إزاحة السكان الأصليين من الهنود – نهر المسيسيبي دون أن يعبروا الضفة الغربية للنهر حيث الاستعمار الفرنسي. من جهة أخرى كان أمامهم الاستعمار الأسباني يقف حاجزا فيما يُعرف الآن بولايتي تكساس وكاليفورنيا.
في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا الأراضي غرب النهر في صفقة عرفت باسم صفقة لويزيانا في رقعة امتدت من خليج المكسيك جنوبا حتى منابع نهر المسيسيبي في جبال روكي غربا.
بجرة قلم، وتسليم 15 مليون دولار، ضاعفت صفقة شراء لويزيانا مساحة الولايات المتحدة الأمريكية، ومنحتها السيطرة على أكبر طريق للنقل المائي الداخلي في العالم.أصبح لدى الأمريكيين الآن عمق جغرافي استراتيجي، وأرض خصبة شاسعة، ومزيد من الموانئ على المحيط الأطلسي
كانت المساحة التي اشترتها الولايات المتحدة من فرنسا تعادل مساحة إسبانيا وإيطاليا وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا مجتمعة في عصرنا الحالي. ومعها جاء حوض نهر المسيسيبي، الذي منه انطلقت مسيرة أمريكا نحو “العظمة”.
ساد شعورٌ لدى الأمريكيين بانهم قد يصبحون أمة عملاقة وقوة قارية عظمى مما شحن طاقتهم لمواصلة الزحف غربا ..على أراضي المستعمرات الإسبانية.
لم يكن الأمر صعبًا للغاية. كان الإسبان منهكين من الحرب في أوروبا ضد نابليون؛ تنازل الإسبان عن فلوريدا للولايات المتحدة الأمريكية، ومعها مساحة شاسعة من الأراضي.
وفي 1819 وافق الإسبان على أن تتمتع الولايات المتحدة الأمريكية بالسلطة على ما يُعرف الآن بحدود ولايتي كاليفورنيا وأوريغون، وهكذا وصلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى المحيط الهادئ.
اقتطع الأمريكيون تكساس بفضل الأموال والأسلحة والأفكار الأمريكية، وانضمت المنطقة لاحقًا إلى الاتحاد عام 1845، وخاضت معًا الحرب المكسيكية (1846-1848) وفرضت حدود الولايات المتحدة مع المكسيك على خط نهر ريو غراندي.
في منتصف القرن 19 – وإضافة كاليفورنيا ونيو مكسيكو علاوة على أريزونا ونيفادا ويوتا وكولورادو – أصبحت حدود الولايات المتحدة الأمريكية القارية قريبة من حدودها الحالية.
شجع القادة الأمريكيين استقبال المزيد من المهاجرين من أوروبا بمغريات كبيرة، إذا كنت رجلاً فقيرًا من ألمانيا أو الدول الاسكندنافية أو إيطاليا، فلماذا تذهب إلى أمريكا اللاتينية لتكون عبدًا، بينما يمكنك الذهاب إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتكون مالكًا حرًا للأراضي؟
في عام 1867، أكمل القدر دوره حين باعت روسيا ألاسكا للولايات المتحدة لتمنحها فرصة عظيمة في أراض كان يظن أنها صندوق من الثلج ثم كشفت لاحقا عن خبايا من الذهب والنفط. وفي حدود عام 1900 وصل الأسطول الأمريكي الوليد إلى هاواي ليضم الجزر الاستراتيجية في المحيط الهادئ. في عام 1903 وقّعت أمريكا معاهدةً تمنحها حقوقًا حصرية في قناة بنما.
الصعود في القرن العشرين
باستثناء دخولها المتأخر في الحرب العالمية الأولى، نجحت أميركا في القرن العشرين، في تجنب التورط والتحالفات حتى عام 1941.
غيّرت الحرب العالمية الثانية كل شيء. خرج الأمريكيون من ديارهم للاشتباك في الحرب العالمية، انتهت إلى انتصارهم بضراوة. استعرضوا قوتهم الهائلة حول العالم، وللحفاظ على الوضع على هذا النحو، لم يعودوا إلى ديارهم مطلقا
وباعتبارها أعظم قوة اقتصادية وعسكرية في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، تضع أميركا أعينها على السيطرة على الممرات البحرية في العالم وضمان أرباح تجارتها في الأسواق الدولية.
في الوقت الذي استنفد الأوروبيون قواهم، واقتصاداتهم، ومدنهم وبلداتهم، وسحقت الحرب اليابان ، ودُمرت الصين ودخلت في حرب أهلية كان الأمريكيون هم أكثر الرابحين في النظام الرأسمالي بعد الحرب الثانية.
مع تراجع نفوذ بريطانيا نظرت الولايات المتحدة نظرة فاحشة إلى القواعد البريطانية حول العالم واستولت عليها، وبعد أن هزمت اليابان أقامت قواعد في أماكن لم تكن تحلم بها كما في جزيرة أوكيناوا اليابانية في بحر الصين الشرقي.
ولكي يضمنوا عدم استيلاء الاتحاد السوفيتي على أوروبا والوصول إلى ساحل المحيط الأطلسي، وفي مقابل ما سيدفعوه ثمن إعادة إعمار أوروبا في خطة مارشال (1948-1951)، لم يعد جنود المشاة إلى ديارهم، بل استقروا في ألمانيا قبالة الجيش السوفيتي في شمال أوروبا.
في عام 1949، قادت واشنطن تشكيل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتولت معه فعليًا قيادة ما تبقى من القوة العسكرية للعالم الغربي.
في نظام الناتو قد يكون الرئيس المدني للحلف بلجيكيًا في عام، ثم يعقبه بريطاني في عام آخر لكن القائد العسكري يبقى دائمًا أمريكيًا، وأكبر قوة نيران داخل الناتو هي أمريكية بلا منازع. وهذا القائد الأعلى لحلف الناتو مسؤول في النهاية أمام واشنطن لا أمام أوروبا.
في ستينيات القرن الماضي، أضعف فشل الولايات المتحدة في فيتنام ثقتها بنفسها، وجعلها أكثر حذرًا في التعامل مع التدخلات الخارجية. ومع ذلك، فإن ما كان في الواقع هزيمةً لم يُغير جوهريًا الاستراتيجية العالمية الأمريكية.
لم يعد هناك الآن سوى ثلاثة بؤر يمكن أن ينطلق منها تحدي الهيمنة الأمريكية: أوروبا الموحدة، وروسيا، والصين.
يرى تيم مارشال في كتابه إن هذه القوى الثلاث ستزداد جميعها قوة، لكن اثنتين منها ستبلغان حدودهما القصوى ولن يستطيعا تجاوز حدودهما: أوروبا وروسيا.
الخطر الذي تضع أمريكا أعينها عليه الآن هو الصين.
يعتبر تيم مارشال أن روسيا بوتين شوكةً في خاصرة أمريكا، ولكنها ليست تهديدًا خطيرًا لهيمنة أمريكا. ويستحضر هنا وصف الرئيس أوباما روسيا في 2014 بأنها “ليست أكثر من قوة إقليمية”. يرى مارشال أن وصف أوباما يعد وصفا استفزازيًا بلا داعٍ، لكنه صحيح!
التنافس مع الصين
لا يتفق تيم مارشال في كتابه مع التقارير التي تفترض أن الصين ستتفوق على الولايات المتحدة الأمريكية بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين كي تصبح القوة العظمى الرائدة. ويرى أن ذلك ربما يتحقق في غضون قرن من الزمن ..ليس قبل عام 2100.
يبنى مارشال فرضيته على 5 عناصر:
لا شك أن الصينيين في طريقهم لمضاهاة الأمريكيين اقتصاديًا، وهذا يمنحهم نفوذًا كبيرًا ومكانة في صدارة المشهد، لكنهم متأخرون عسكريًا واستراتيجيًا بعقود. ستقضي الولايات المتحدة تلك العقود في محاولة ضمان بقائها على هذا المنوال، لكن يبدو من المحتم أن تتقلص الفجوة.
لا تستطيع الصين منافسة الولايات المتحدة في بناء قواعد عسكرية بهذه الشبكة التي تنتشر فيها الولايات المتحدة في أخطر بقاع العالم بحرا وبرا. بناء هذه القواعد مكلف للغاية، ليس فقط تكلفة البناء بل تكلفة الحصول على موافقة وسماح الدول الأخرى على هذه القواعد. لابد أن تدفع لهذه الدول مالا ونفوذا وعلاقات استراتيجية في شبكة متنوعة.
ولدى الولايات المتحدة قواعد وعلاقات عسكرية مع دول مثل اليابان وتايلاند وفيتنام وكوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا وغيرها، وهي دول لديها خوف أصيل من الصين وتفضل أن تبقي الأمريكيين هنا لحمايتها من التوغل الصيني المرتقب ووقوعها في النهاية تحت الهيمنة الصينية.
لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية في المرحلة الأولى مما عرف باسم “التحول نحو الصين” بمعنى التفرغ لمواجهة الصين في صراع حقيقي. فإلى اليوم لم تفتح الولايات المتحدة الصراع واسعا ضد الصين. وتفصيل ذلك أن مصير الصراع سيُكتب في منطقة آسيا والمحيط الهادئ حين تتجه الولايات المتحدة إلى الاستثمار عند أبواب الصين: وستأخذ مزيدا من الوقت والمال في شرق آسيا لترسيخ وجودها ونواياها في المنطقة. وبعد ذلك تبدأ المرحلة العسكرية بالاشتباك بالوكالة أو بالحرب غير المباشرة وهنا ستستعين الولايات المتحدة بمبدأ الرئيس ثيودور روزفلت عام 1900 الذي دخل الآن المعجم السياسي: “تحدث بهدوء، لكن احمل عصاً غليظة”.
من البوابات الجغرافية التى تقع تحت المجهر في هذا الصراع إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة. تقع هذه الدول الثلاث على جانبي مضيق ملقا، الذي يمر فيه يوميا 12 مليون برميل من النفط متجهًا إلى الصين التي تزداد عطشًا للنفط. وتفتقر الصين إلى أيديولوجيات سياسية وعلى الأرجح ستقبل الصين بحراسة أمريكا لمعظم الممرات البحرية التي تنقل البضائع الصينية إلى العالم، طالما أن الأمريكيين يقبلون بحدود معقولة من الصعود الصيني المضمون.
هناك بؤر توتر في تايوان، تشعلها المعاهدة التي تنص على أنه في حال قيام الصين بغزو تايوان فإن الولايات المتحدة ستخوض حربًا للدفاع عنها. يُعدّ الاعتراف الرسمي بتايوان من قِبل الولايات المتحدة، أو إعلان استقلال تايوان، خطًا أحمر بالنسبة للصين، وقد يُشعل فتيل غزوها. ومع ذلك، لا توجد أية مؤشرات على ذلك، ولا يُتوقع غزو صيني في الأفق.
مع تزايد عطش الصين للنفط والغاز، يتراجع عطش الولايات المتحدة باكتشاف المزيد والمزيد من النفط في أراضيها. وسيكون لذلك تأثيرٌ بالغٌ على علاقاتها الخارجية، وخاصةً في الشرق الأوسط، مع ما يترتب على ذلك من آثارٍ سلبية على دولٍ أخرى.
وإذا انسحبت الولايات المتحدة من الاهتمام بالنفط في الشرق الاوسط فقد تأتي الصين إلى إيران لضمان النفط لكن ذلك لن يحدث إلا عندما يبني الصينيون أسطولهم البحري “المياه الزرقاء”، والأهم من ذلك، أن يكونوا مستعدين لنشره. وحتى إذا انسحبت الولايات المتحدة من الاهتمام بنفط الشرق الأوسط فلن تخلع قواعدها من دول الخليج وفي مقدمتها البحرين.
ويختتم تيم مارشال هذا الفصل بقوله إنه على مدار 30 عاما مضت كان من الشائع التنبؤ بالتراجع الوشيك أو المستمر للولايات المتحدة الأمريكية. كان هذا خطأٌ وقتها بمثل ما هو خطأ اليوم.
وفي عبارة ذات دلالة قدرية – تفوق الحتم الجغرافي – ينهي مارشال الفصل بتذكيرنا بكلمات رجل الدولة البروسي أوتو فون بسمارك: “إن الرب ينظر بعين الرعاية لكل من السكارى والأطفال والولايات المتحدة الأمريكية” فيقول مارشال: يبدو أن عبارة بسمارك كانت صالحة قبل 100 سنة ..بمثل ما هي صالحة اليوم!