في زمن أصبح فيه الخوارزميات في الهاتف الذكي بوابة العالم الخارجي، يجد كثيرون أنفسهم أسرى تجربة غريبة: يبدأون بالبحث عن معلومة عادية، فيخرجون منها وقد تغيرت نظرتهم إلى الواقع تماماً.
هذه التجربة عاشها المصريين أثناء البحث عن ظاهرة الكلاب الضالة وتكاثرها الملحوظ في المدن المصرية. لم يكن من المتوقع الخروج من رحلة البحث بخوف غير مألوف من الكلاب التي كانت تمر بجانبهم يومياً بهدوء. فجأة انتشر الخوف من “عصابات” الكلاب في الحي، بل ساد التردد من النزول لصلاة الفجر، بل والاضطرار للتراجع بسرعة إلى بوابة المنزل خوفاً من أن يهاجمهم كلب واستدعى رفاقه.
ما الذي تغير؟ لم تكن الكلاب في الشارع قد احتلت المدينة فجأة، ولم يتحول الحي إلى ساحة معركة post-apocalyptic كما بدا لهم. السبب الحقيقي، كما اكتشف لاحقاً، كان أبسط وأخطر في آن: الخوارزمية.
«بعد أيام من البحث المكثف عن إحصاءات حالات العقر، وحوادث النهش، ونقص أمصال السعار، وفيديوهات الهجمات المروعة، تحولت الصفحة الرئيسية على فيسبوك إلى نشرة أخبار كابوسية مستمرة.
كل تمريرة إصبع مايعرف بـ سكرول داون كانت تُغرق الحساب بمزيد من القصص الدموية والتحليلات البيطرية المرعبة. الخوارزمية لم تفهم وظاىفنا واهتماماتنا، بل قرأت انتباهنا المؤقت كـ”هوس”، فأغرقتنا به».
ظاهرة «غرفة الصدى» (Echo Chamber)
هذه الظاهرة ليست استثناءً. الخوارزميات في منصات التواصل الاجتماعي تعتمد على قياس زمن التوقف عند كل منشور أو فيديو أو عنوان، ثم تضخ المزيد من المحتوى المشابه لتعظيم وقت الاستخدام. لا تهتم الآلة بالسياق ولا بالنوايا؛ فهي لا تميز بين باحث أكاديمي وبين شخص يعاني من قلق حقيقي. هدفها الوحيد هو الاحتفاظ بانتباه المستخدم أطول فترة ممكنة.
فقد أدى ذلك إلى تضخيم الخوف الطبيعي من الكلاب الضالة حتى وصل إلى درجة من “البارانويا” جعلته يشعر أن الشارع أصبح خطراً وجودياً، رغم أن النظرة المباشرة من النافذة كشفت عن شارع هادئ عادي.
من الكلاب إلى الكرة.. قصة تعصب مستعاد
لم تقف التجربة عند حد الكلاب. بعد أسابيع، وبينما كان يعاني أحدهم من الأرق، شاهد فيديو تحليلياً عن نادي الزمالك. يكمله بدافع الفضول والميل القديم. في اليوم التالي، تحولت الصفحة الرئيسية إلى مركز عمليات لـ”وايت نايتس”. اختفت أخبار الكلاب والحروب والكوارث تقريباً، وحل محلها سيل من الأهداف، والمؤامرات، والشتائم، والجدالات حول الأساطير والألقاب.
ليجد نفسه يغضب ويجادل بتعصب لم أعهده منذ سنوات المراهقة. التعصب الذي تظن أنك تجاوزته يستيقظ فجأة.
فالخوارزمية نجحت في إعادة إحيائه ببساطة لأنني أمضيت ساعة في مشاهدة محتوى متعلق بالنادي».
عندما يعيش الزوجان في قارتين رقميتين
الأمر بلغ ذروته عندما فتح هاتف زوجته لمساعدتها في إعداد فني. اكتشف عالماً مختلفاً تماماً: وصفات الطبخ، حيل تنظيف المنزل، مقاطع دينية هادئة، ونصائح اجتماعية. عالم وردي هادئ مقارنة بغرفة الرعب والغضب التي كان يعيش فيها.
فالزوجان تحت سقف واحد، طعام وشراب مشترك معاً، لكن رقمياً يعيشان في قارتين متباعدتين.
الخوارزمية لا تبني لهما مجتمعاً واحداً، بل زنزانات انفرادية مغطاة بمرايا مكبرة تعكس مخاوفهما وأهوائنا فقط
الحل: «الفوضى الرقمية الخلاقة»
الخروج من هذا السجن الرقمي لا يتطلب تحطيم الهاتف، بل ممارسة ما يسميه «الفوضى الرقمية الخلاقة»:
تنويع مصادر الاهتمام عمداً.
البحث بشكل متعمد عن مواضيع خارج دائرة الاهتمامات المعتادة (علوم، أدب، مهارات جديدة، فيزياء، تاريخ…).
الإعجاب أو مشاهدة محتوى يوسع المدارك حتى لو لم يكن ممتعاً في البداية.
كسر النمط المتوقع للخوارزمية لتفقد قدرتها على تصنيف المستخدم بدقة.
«الآلة غبية في فهم السياق، لكنها ذكية جداً في استغلال انتباهنا. إذا أفسدنا عليها توقعاتها، نستعيد جزءاً من حريتنا».
في النهاية، يظل السؤال مطروحاً: هل نحن من يتصفح الإنترنت، أم أن الإنترنت هو من يتصفحنا ويعيد تشكيل وعينا يوماً بعد يوم؟
الإجابة، كما يبدو، تكمن في قدرتنا على التمرد الواعي على الزنزانة الرقمية قبل أن نصبح نحن أنفسنا انعكاساً مكبراً لمخاوفنا وأهوائنا.