في مطلع عام 2024 جلس موظف مالي في مكتب شركة الهندسة البريطانية أروب في هونغ كونغ أمام شاشة اجتماع مرئي ظهر فيها مديره المالي وعدد من زملائه بالصوت والصورة وبدا كل شيء طبيعيا حتى نبرة الحديث وطريقة الإلحاح على سرعة التنفيذ وطلب منه المجتمعون إجراء تحويلات مالية عاجلة فاستجاب ونفذ خمس عشرة دفعة بما يقارب 25 مليون دولار ثم اتضح لاحقا أن كل من ظهر أمامه كان تزييفا عميقا صنعه محتالون بالذكاء الاصطناعي
الواقعة لا تكشف ضعف شركة بعينها بل تكشف حقيقة أعمق فالمؤسسة التي أنفقت على جدران الحماية والأنظمة المتطورة سقطت في النهاية أمام لحظة ثقة واحدة لدى إنسان واحد وهنا بالتحديد يبدأ السؤال الذي يتجاوز الجانب التقني هل الأمن السيبراني مسألة أنظمة وخوادم تخص الشركات وحدها أم أنه منظومة متكاملة يقع المواطن في قلبها وتشكل المواطنة الرقمية جسرها الأهم بين التقنية والسلوك
لم يعد الاحتيال الإلكتروني حوادث متفرقة تروى للتحذير بل صار اقتصادا موازيا يتضخم عاما بعد عام فقد بلغت الخسائر المسجلة لدى مركز شكاوى جرائم الإنترنت التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي نحو 20 مليارا و877 مليون دولار في عام 2025 بزيادة قدرها 26 بالمئة عن العام السابق وهذه الأرقام تخص الشكاوى المسجلة رسميا فقط ولا تشمل ما لم يبلغ عنه الضحايا خجلا أو يأسا أو جهلا بجهة الإبلاغ ولا تتوزع الخسائر بالتساوي بل تتركز على الفئات الأقل خبرة فقد سجل من تجاوزوا الستين من العمر وحدهم خسائر بلغت 7 مليارات و700 مليون دولار وهو رقم يعني أن آباءنا وأمهاتنا وأجدادنا الذين دخلوا العالم الرقمي متأخرين هم الهدف الأسهل للمحتالين
وتظهر الأرقام تحولا نوعيا في أدوات الجريمة فقد ربط التقرير لأول مرة في تاريخه أكثر من 22 ألف شكوى بالذكاء الاصطناعي بخسائر قاربت 893 مليون دولار وهذا هو عالم حادثة أروب نفسه حيث لم يعد المحتال يحتاج إلى مهارة تقنية عالية بل يكفيه أن يستعير وجه مسؤول وصوته ويطرق باب موظف مرهق.
ويحتاج النقاش إلى تحديد دقيق للمفاهيم لأن الخلط بينها يضلل الحكم على القضية ويجعل بعض الناس يظن أن الأمن السيبراني ترف تقني بينما هو في حقيقته شبكة متشابكة من الحماية والسلوك والتعويض فالمواطنة الرقمية في أدق تعريفاتها ليست حسن السلوك على الإنترنت فقط بل منظومة من ثلاثة أضلاع متلازمة أولها الحقوق وتشمل حق الوصول الآمن إلى الفضاء الرقمي وحماية البيانات الشخصية وصون الخصوصية وحق الإنسان في ألا يتحول حضوره الرقمي إلى مصدر تهديد له وثانيها المسؤوليات وتشمل احترام الآخرين والتحقق من المعلومات قبل نشرها وعدم استغلال الثغرات والإبلاغ عن الجرائم وثالثها المهارات وهي القدرة الفعلية على التمييز بين الرابط الآمن والمشبوه وإعداد كلمات مرور قوية وتفعيل المصادقة الثنائية والتعامل بهدوء مع محاولات الابتزاز.
ومتى اختل ضلع منها تعطل المفهوم كله فالحق دون مهارة يبقى نصا لا يستفيد منه صاحبه والمهارة دون مسؤولية قد تتحول إلى أداة ضرر والمسؤولية دون حقوق تصبح عبئا ظالما يحمل المواطن ما لا يطيق أما الأمن السيبراني فهو حماية الأنظمة والشبكات والبيانات من الهجمات والاختراقات والتسلل غير المشروع ويقوم على التقنية والتشريع والإجراءات التنظيمية والوعي البشري معا.

ويأتي التأمين السيبراني بوصفه الوجه المالي لهذه الحماية فهو تغطية لخسائر الاختراق وطلبات الفدية وسرقة البيانات والاحتيال الإلكتروني وتكاليف التنمر الإلكتروني ونفقات استعادة السمعة بعد الأزمة وتجدر الإشارة إلى أن التأمين التقليدي لا يكفي لهذا الغرض فقد أكدت ندوة عقدتها شركة ميدمارك للوساطة التأمينية في القاهرة عام 2023 بالتعاون مع هاوند أن توقف الأنظمة الإلكترونية وغيره من نتائج الاختراقات لا تغطيه أنواع التأمين التقليدية ولهذا نشأت الحاجة إلى منتج مستقل مصمم لهذه المخاطر فالخوف المفرط هو العدو الخفي للتحول الرقمي فالأسرة التي سمعت عن قصص اختراق الحسابات والابتزاز والاحتيال قد تتردد في استخدام الدفع الإلكتروني وقد تمنع أبناءها من التعلم عبر المنصات وقد تفضل الطوابير والورق على الخدمة الحكومية الرقمية خوفا من المجهول وهكذا تضيع على المجتمع فوائد استثمارات ضخمة في البنية الرقمية بسبب شعور المواطن بأنه وحيد في مواجهة الخطر
وهنا يؤدي الأمن السيبراني دورا نفسيا واجتماعيا يتجاوز بعده التقني فحين يعرف الطالب والموظف وربة المنزل أن لديهم أدوات حماية فعالة ومسارا واضحا للإبلاغ ودعما في استعادة الحسابات وتعويضا ماليا عند الضرر تتراجع المخاوف التي تدفعهم إلى الانسحاب أو الاستخدام المرتبك للتقنية ويصبح الحق الرقمي ممارسة يومية واثقة بدل أن يكون شعارا في المؤتمرات والفرق كبير بين مواطن يتعامل مع الفضاء الرقمي وهو يتوقع الأسوأ ومواطن يتعامل معه وهو يعرف أن له ظهرا يستند إليه فالأول يقتصر على الحد الأدنى من الاستخدام والثاني يشارك ويبدع ويستثمر ويشتري ويتعلم ويعمل عن بعد وهذا بالضبط ما تحتاجه الاقتصادات الرقمية الناشئة
وتكشف مؤشرات السوق أن الحماية السيبرانية تحولت إلى صناعة عملاقة متسارعة الخطى فقد قفزت أقساط التأمين السيبراني عالميا من أكثر من 5 مليارات دولار في عام 2020 إلى ما بين 14 و15 مليار دولار بحلول 2024 أي أنها تضاعفت نحو ثلاث مرات خلال أربع سنوات فقط وفي منطقتنا يتوقع أن ينمو سوق الأمن السيبراني في الشرق الأوسط من نحو 16 مليارا و750 مليون دولار في 2025 إلى نحو 26 مليار دولار بحلول 2030 بمعدل نمو سنوي يقارب 9 % وتشير التقارير إلى أن قطاع البنوك والخدمات المالية والتأمين يستحوذ على النصيب الأكبر من هذا السوق مدفوعا بمتطلبات تنظيمية صارمة تفرضها الجهات الرقابية
وفي مصر قدرت قيمة سوق الأمن السيبراني بنحو 842 مليون دولار في 2025 مع توقع بلوغها نحو مليار و245 مليون دولار في 2030 وهذا النمو يعكس إدراكا متزايدا لدى المؤسسات المصرية بأن التحول الرقمي دون حماية يشبه بناء مبنى شاهق بلا أساسات ويلاحظ أن كل هذه الأرقام تتحدث عن مؤسسات وشركات وبنوك وجهات منظمة ولا يرد فيها ذكر للفرد إلا استثناء وهذه ليست مصادفة بل هي انعكاس لخريطة الاهتمام الحالية.
























