أزمة جلوبال بارادايم.. هل جاءت الرقابة المالية خلال الوقت الضائع؟.. قبل ثلاثة أشهر فقط، وقف هشام عز العرب ليقول جملة بسيطة في ظاهرها، عاصفة في مضمونها: التوسع السريع في التمويل الاستهلاكي بلا قواعد ائتمانية صارمة يصنع أزمة مؤجلة، لم يكن كلاما عابرا من مصرفي يتحدث بحكم العادة، بل تحذيرا صادرا من رجل قضى سنوات طويلة في التعامل مع المحافظ الائتمانية ومخاطرها، قبل أن تظهر نتائجها في أرقام التعثر.
الرد على التحذير جاء من نوع مختلف تماما، انصرف جانب كبير من الجدل إلى صاحب الفكرة أكثر مما انصرف إلى الفكرة نفسها، قيل إن مصرفيا عجوزا يدافع عن مصالح البنوك التقليدية في وجه منافس صاعد، وأن التمويل الاستهلاكي غير المصرفي حقق نموا لا يعجب أصحاب النموذج القديم.
«عز العرب» لم يطلب إغلاق باب التمويل غير المصرفي، ولم يشكك في جدواه، ولم ينكر دوره في توسيع الشمول المالي، فقط طرح سؤالا واحدا لا يحتمل التأجيل: من يضمن أن العميل الذي تبنى عليه المحفظة الائتمانية هو نفسه العميل الذي طلب التمويل، وفهم شروطه، ووافق عليه بإرادته؟
اليوم جاءت واقعة مدرسة Global Paradigm الدولية لتمنح هذا السؤال مثالا عمليا لم يعد ممكنا تجاهله.
319 مليون جنيه.. الرقم الذي فضح المسكوت عنه
الهيئة العامة للرقابة المالية أعلنت عن تمويلات تقترب من 319 مليون جنيه، سجلت باسم أولياء أمور طلاب في مدرسة Global Paradigm الدولية، دون علمهم أو موافقتهم. بعض التغطيات أوردت رقما مختلفا يقترب من 321 مليون جنيه، وهذا فارق يجب أن تحسمه الجهات الرسمية بدقة، لأن قضية عنوانها سلامة البيانات لا تحتمل غموضا في رقمها الأساسي.
839 عقدا و619 اسما لأشخاص استيقظوا ذات صباح ليجدوا أنفسهم مدينين لشركة تمويل استهلاكي لم يتعاملوا معها، بضمانة قرض لم يوقعوا عليه، لتمويل مصروفات مدرسية لم يطلبوه بهذه الصيغة.
هذا ليس تعثرا ائتمانيا، فالتعثر يفترض وجود دين حقيقي تأخر صاحبه عن سداده، لكن هنا السؤال أعمق: هل كان هناك أصلا عميل طلب هذا الدين؟
حين يعاقب النظام الخطأ بعد فوات الأوان
بعد تحقيقات موسعة اتخذت الهيئة العامة للرقابة المالية إجراءات لا يمكن التقليل من قيمتها: إزالة المديونيات من السجل الائتماني لأصحابها، تحريك دعوى جنائية ضد شركة التمويل، منعها من إبرام عقود جديدة لمدة شهر، وقف منتجات تمويل المصروفات الدراسية وعضويات الأندية، ومساءلة الرئيس التنفيذي وعدد من المسؤولين.
لكن كل هذا الحزم يطرح سؤالا لا تستطيع أي جهة رقابية الهروب منه: كيف مرت 839 عقدا، بقيمة تقترب من ثلث مليار جنيه، قبل أن تصل الواقعة إلى مرحلة الاكتشاف والتدخل الرقابي؟
تركيز غير معتاد لعقود التمويل المرتبطة بجهة واحدة، وتكرار محتمل في بعض البيانات، ونمط تعاقدي كان من المفترض أن يكون قابلا للرصد والتحليل قبل أن يتضخم إلى هذا الحجم. هذه ليست تفاصيل تكتشف بذكاء متأخر بعد وقوع الضرر، بل مؤشرات كان يفترض أن تصنعها أنظمة المتابعة في الوقت المناسب، لا بعده.
معاقبة الخطأ بعد وقوعه إطفاء للحريق، وليست دليلًا على كفاءة الرقابة، وهنا تحديدا يلتقي ما حدث مع جوهر التحذير الذي أطلقه «عز العرب» قبل أشهر: أن سرعة نمو الائتمان لا ينبغي أن تسبق قدرة الرقابة على اختبار سلامة الأصول التي تدخل إلى المحافظ.
سوق بحجم كبير لا يحتمل رقابة الشكوى الفردية
بيانات 2025 تتحدث عن تمويل استهلاكي بلغ نحو 96.3 مليار جنيه، بنمو قارب 57%، استفاد منه أكثر من 10.8 مليون عميل، رقم بهذا الحجم لا يمكن أن تتم مراقبته بعقلية الملف الورقي وانتظار شكوى فردية تصل إلى مكتب مسؤول.
النمو نفسه ليس خطأ، فتوسيع الوصول إلى التمويل خدمة حقيقية لملايين المصريين الذين لا تصلهم الخدمة المصرفية التقليدية بسهولة، بل إن الخطأ أن يتقدم حجم السوق على قدرة الرقابة على قراءته، فتتحول السرعة من ميزة تنافسية إلى فجوة يدفع ثمنها مواطن لا ذنب له.
مسؤوليتان لا مسؤولية واحدة
النيابة العامة وجهت اتهاما لرئيس مجلس إدارة المدرسة بالتعاقد مع شركة التمويل باستخدام صور بطاقات ومستندات وتوقيعات منسوبة لأولياء الأمور، فهذا اتهام خطير، وتحديد مسؤوليته القانونية شأن القضاء وحده.
لكن لا يجوز أن تختفي شركة التمويل من قلب المشهد بحجة أنها تلقت مستندات من طرف ثالث، فهي من منح الائتمان، وهي من سجل الالتزام، وهي المسؤولة عن التحقق المستقل من هوية كل عميل قبل تفعيل أي تمويل. هل اكتفت بأوراق وصلتها عبر المدرسة؟ هل تواصلت مع كل عميل بشكل مباشر؟ هل كانت هناك حوافز داخلية ترتبط بعدد العقود المبرمة على حساب دقة التحقق؟ هذه أسئلة لا تحسمها بيانات فسخ التعاقد أو عبارات “الخطأ غير المقصود”.
التوجيه الرئاسي يفتح باب المراجعة.. لكن من يفتح ملفات الماضي؟
جاء توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بإحالة واقعة مدرسة Global Paradigm إلى جهات التحقيق استجابة مباشرة لمناشدات أولياء الأمور الذين وجدوا أنفسهم مدينين دون علم أو موافقة، كما ووجه الرئيس أيضا بفحص كافة الوقائع المماثلة في السوق وتشديد الرقابة لمنع تكرارها.
هذا توجيه على المستوى الصحيح، وينقل القضية من حدود مدرسة واحدة وشركة واحدة إلى اختبار حقيقي للقطاع بأكمله. لكن يجب توضيح حدود ما يعالجه بدقة: التشديد الرقابي القادم سيمنع نشوء وقائع جديدة مشابهة، وهذا مكسب حقيقي لا يجوز التقليل منه.
غير أنه لن يكفي وحده لكشف الأخطاء القديمة التي لم تكتشف بعد، فالمنطق نفسه الذي سمح بتسجيل 839 عقدا دون أن تصل الرقابة إليها لأشهر، قد يكون سمح بحالات مشابهة في محافظ أخرى لا تزال نائمة في السجلات، لم تصل بعد إلى شكوى ولي أمر أو عنوان صحفي. تشديد القواعد من اليوم فصاعدا يغلق الباب أمام المستقبل، لكنه لا يفتح الملفات المغلقة في الماضي، فهذه مهمة تحتاج مراجعة استباقية شاملة للمحافظ القائمة، لا انتظار موجة شكاوى جديدة تكشفها بالصدفة كما كشفت واقعة اليوم.
التوريق.. الشبح الذي لا يجوز تجاهله
لا توجد معلومات تؤكد دخول تمويلات Global Paradigm في عملية توريق، ولا يجوز الزعم بذلك. لكن السؤال الرقابي يبقى مشروعا وملحا: ماذا يحدث حين تنتقل ديون قائمة على هوية غير محققة إلى محافظ مالية أو أدوات استثمارية أخرى؟ عندها لا تبقى المشكلة داخل شركة تمويل واحدة، بل تتحول جودة الأصل الائتماني إلى مشكلة ثقة تمس المستثمرين وحملة السندات أنفسهم. سلامة نشأة الدين ليست تفصيلا إداريا هامشيا، هي الأساس الذي تقوم عليه قيمة أي محفظة مالية بأكملها.
عز العرب لم يكن يدافع عن نفسه
المصرفي المحترف لا ينتظر إعلان التعثر ليسأل عن سلامة القرض، يبدأ من سؤال أسبق: هل هذا العميل حقيقي أصلا؟ هذا بالضبط ما كان يقوله هشام عز العرب منذ مايو الماضي، بينما كان كثيرون يقرأون كلامه كدفاع عن مصالح البنوك في مواجهة منافس ناشئ.
قد يختلف معه البعض في تفاصيل أو تقديرات بعينها، لكن من الصعب اليوم، بعد أن رأى الجميع رقم 319 مليون جنيه رأي العين، إنكار أن جوهر تحذيره كان دقيقا. المشكلة لم تكن يوما في وجود التمويل غير المصرفي أو في منافسته للبنوك، المشكلة أن يتقدم التوسع الائتماني على الحوكمة، وأن يدفع مواطن عادي، لا يعرف حتى اسم شركة التمويل، ثمن فجوة بين القواعد المكتوبة وتطبيقها الفعلي.. لم تكن المشكلة أن هشام عز العرب حذر مبكرا، لكن المشكلة أن الرقابة المالية لم تتحرك بالسرعة نفسها.