تمثل أزمة تسجيل خطوط المحمول بغير بيانات أصحابها جرس إنذار مبكر يعكس تعقيدات التحول الرقمي، وقد باتت حماية الهوية الرقمية للمواطن ضرورة تتصل باستقرار المعاملات المالية ونزاهة الإجراءات القضائية وسلامة الأمن المجتمعي. والمطلوب تضافر الأجهزة الرقابية والتشريعية لفرض حوكمة صارمة على قطاع الاتصالات، وحماية البيانات الشخصية، وضمان ألا يتحول التقدم التقني والإجرائي إلى فخ قانوني للمواطن حسن النية، مع وعي كامل بمخاطر التوسع في البيانات البيومترية بعيداً عن الإشراف السيادي المباشر في عصر الذكاء الاصطناعي.
ويقصد الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات من تطبيق (منظومة البصمة البيومترية) في توثيق بيانات عملاء خدمات الاتصالات في مصر والتحقق اللحظي: البيانات البيومترية نفسها — أي صور الوجه ونسخ بطاقات الرقم القومي التي تجمعها شركات المحمول عند التعاقد.

ووجه (الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات) بالإسراع في إتاحة آليات التحقق البيومتري عبر التطبيقات الإلكترونية والفروع على أن يبدأ التطبيق الرئيسي خلال شهر تقريبا سبتمبر 2026 وتأتي هذه التحركات في سياق إجراءات عاجلة أعلنها (الجهاز القومي) مؤخرا شملت إحالة شركات المحمول الأربع فودافون وأورنج وإي آند ووي إلى النيابة العامة بشأن مخالفات تسجيل خطوط بأسماء مستخدمين دون علمهم بعد تلقي آلاف الشكاوى.

ووفقا لتصريحات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات رسمية لن تخزن بيانات البصمة لدى الشركات وسيتم التحقق آليا بمطابقة بصمة الوجه مع صورة بطاقة الرقم القومي ما يمثل تحولا من الاعتماد على البطاقة فقط إلى التحقق الحي الفعلي وتهدف منظومة البصمة البيومترية إلى حوكمة سوق المحمول من خلال تعزيز أمن البيانات وحماية المواطنين من الاستخدام غير المشروع للهويات غير أن نجاح التطبيق يعتمد على قدرة الشركات على استيعاب التكاليف دون تأثير كبير على القدرة الشرائية أو معدلات النمو وعلى التوازن الذي سيحققه الجهاز القومي بين العملية التنظيمية والتسعير التنافسي ومع استمرار الدراسات والمخاطبات الرسمية يترقب السوق ملامح التسعير النهائي خلال الأسابيع المقبلة.

– التحقق البيومتري يحتاج الاعتماد على قاعدة بيانات مركزية موحدة تُستخدم في مجالات متعددة
الأمر الذي تظهر معه تحذيرات عدة مع ارتفاع الأصوات بإعتماد البصمة البيومترية لتفعيل الخطوط فالتأمل المتأني في جمع الشركات الخاصة لهذه البيانات يكشف عن مخاطر تفوق أزمة الخطوط الوهمية ذاتها، إذ لا يوجد وسيط حكومي تستطيع الشركات من خلاله التحقق اللحظي من صحة البصمة الحيوية ومطابقتها، على خلاف بصمات الأصابع، أو بيانات الرقم القومي النصية التي يجري التحقق منها عبر وزارة الداخلية، وهذا الفراغ التقني قد يعني أن تضطر الشركات إلى بناء قواعد بيانات خاصة تضم بصمات وجوه الملايين من المواطنين.
وقال المهندس وليد حجاج، الخبير في أمن المعلومات، إن التوجه نحو اعتماد التحقق البيومتري في إجراءات تسجيل خطوط الهاتف المحمول يمثل خطوة مهمة ومطلوبة في المرحلة الحالية، لكنه شدد على أن نجاح هذا التوجه لا يرتبط بمجرد إضافة بصمة أو صورة إلى إجراءات التسجيل، بل يتوقف بشكل أساسي على طريقة التنفيذ ذاتها.

وأوضح حجاج أن الأزمة الأخيرة المرتبطة بتسجيل خطوط باسم مواطنين دون علمهم، كشفت أن الاعتماد فقط على بيانات بطاقة الرقم القومي لم يعد كافياً لضمان دقة عمليات التسجيل.
وحول التكلفة والجدوى التطبيقية لتقنية البصمة في فروع الشركات، أوضح حجاج في تصريحات خاصة أن التقنية ذاتها ليست مكلفة بشكل كبير في حال تطبيقها بصورة محدودة، إلا أن انتشارها على مستوى جميع نقاط التعامل، بما في ذلك المنافذ الخاصة بالموزعين المفوضين، سيرتب أعباء مالية كبيرة على الشركات، تشمل تجهيز الأجهزة وتأمينها وربطها بالأنظمة، فضلاً عن الصيانة والتحديث وتدريب الموظفين.

ـ تأثيرات متوقعة على تسعير خطوط المحمول بسبب تطبيق البصمة البيومترية
ولذلك، أكد حجاج أن الأجدى اقتصادياً وأمنياً هو تطبيق التحقق البيومتري بشكل تدريجي، وفقاً لدرجة خطورة كل إجراء. فالعمليات الجوهرية مثل شراء خط جديد، أو نقل الملكية، أو إصدار بدل فاقد، أو تعديل البيانات الأساسية للعميل، تستوجب مستوى أعلى من التحقق، بخلاف العمليات الروتينية كسداد الفواتير أو شراء الباقات، والتي يمكن أن تستمر بالإجراءات المعتادة.
ـ (يظل العميل عرضة للتحايل) اذا اقتصر علاج الأزمة على الإطار التنظيمي فقط دون التشغيلي
وشدد الخبير على نقطة جوهرية تتعلق بإدارة البيانات البيومترية نفسها، مؤكداً أن الأصوب ألا تحتفظ شركات الاتصالات ببصمات المواطنين ضمن قواعد بيانات خاصة بها، وإنما يكتفى بحصول الشركة على نتيجة التحقق فقط (تطابق أو عدم تطابق)، بما يحول دون تحول شركات المحمول إلى جهة مركزية تحتفظ ببصمات ملايين المواطنين. ورأى أن الأنسب هو الاعتماد على قاعدة بيانات مركزية موحدة تُستخدم في مجالات متعددة، كما هو معمول به في عدد من الدول العربية، بما يشمل قطاعات أخرى كالمرور منبّها حجاج إلى أن التحقق البيومتري ليس حلاً لمنع تسرب بيانات الرقم القومي بحد ذاته، لكنه يقلل بشكل كبير من قيمة أي بيانات مسرّبة عند استخدامها في محاولات انتحال الهوية، باعتباره طبقة حماية إضافية تصعّب استغلال البيانات المسربة.
























