شهدت صناعة الدراما الرمضانية تطوراً ملحوظاً يعكس ديناميكية السوق الإعلامية في ظل التحولات السريعة التي شهدها العالم العربي خلال العقد الماضي، من أزمات اقتصادية وجائحة كورونا.
كانت الدراما الرمضانية، التي تُعتبر عماد الترفيه العربي خلال الشهر الفضيل، مصدر إيرادات هائلة ومنصة للتنافس بين الدول العربية، خاصة مصر وسوريا ودول الخليج. لكن كيف تغير اقتصاد هذه السوق من 2016 إلى 2026؟
ميجا نيوز يستعرض التغييرات الرئيسية، مستنداً إلى بيانات اقتصادية وآراء خبراء، ليرسم صورة شاملة عن نمو السوق، التحديات، والتوقعات المستقبلية.
بدايات العقد: التراجع تحت وطأة الأزمات السياسية والاقتصادية
في عام 2016، كانت سوق الدراما الرمضانية العربية لا تزال تعاني من تداعيات الربيع العربي، خاصة في سوريا ومصر. قدرت التكاليف الإجمالية للمسلسلات المصرية في رمضان ذلك العام بحوالي 1.5 إلى 2 مليار جنيه مصري (نحو 100-150 مليون دولار أمريكي، بناءً على أسعار الصرف آنذاك)، مع تركيز الإنتاج على حوالي 30-35 مسلسلاً. كانت الدراما السورية، التي كانت تُنتج نحو 20-25 عملاً سنوياً قبل الحرب، قد انخفضت إلى أقل من 10 أعمال، بسبب الهجرة الجماعية للنجوم والمخرجين وصعوبات التمويل.
في ذلك الوقت، اعتمدت السوق بشكل أساسي على الإعلانات التلفزيونية، حيث شكلت 70-80% من الإيرادات، مع مساهمة ضئيلة من المنصات الرقمية الناشئة مثل “شاهد” و”نتفليكس”.
شهدت الفترة من 2016 إلى 2018 نمواً بطيئاً، حيث ارتفع حجم السوق العربية إلى نحو 200 مليون دولار في رمضان 2017، مع إنفاق مصر وحدها 112 مليون دولار على 34 مسلسلاً.
كانت الدراما الكوميدية والاجتماعية السائدة، لكن النقاد أشاروا إلى “لعنة الـ30 حلقة”، حيث يُفرض على المسلسلات التمديد لزيادة الإعلانات، مما يؤدي إلى انخفاض الجودة.
في سوريا، كانت الصناعة تعتمد على الإنتاج المشترك مع دول الخليج لتعويض الخسائر، بينما بدأت مصر في السيطرة على السوق بنسبة 60% من الإنتاج العربي.
جائحة كورونا: الصدمة والانتعاش الرقمي (2019-2022)
مع اندلاع جائحة كوفيد-19 في 2020، تعرضت السوق لصدمة كبيرة. توقفت التصوير في عدة دول، وانخفض عدد المسلسلات إلى أقل من 25 في مصر، مع تكاليف إجمالية لا تتجاوز 150 مليون دولار للعالم العربي.
لكن الجائحة سرعت من التحول الرقمي، حيث ارتفع استهلاك المنصات عبر الإنترنت بنسبة 28% سنوياً بين 2020 و2022، وفقاً لتقارير اقتصادية. أصبحت المنصات مثل “شاهد” و”نتفليكس” مصدر إيرادات رئيسي، مساهمة بنسبة 40% من الإجمالي بحلول 2022، مقارنة بـ10% في2016
في 2021، عادت الدراما السورية بقوة، مع إنتاج 10 أعمال بيئة شامية، مدعومة بتمويل خليجي، مما رفع حجم السوق إلى 200 مليون دولار في رمضان.
في مصر، سيطرت “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية” على 40% من الإنتاج، مع ضبط الأجور المبالغ فيها وتركيز على مسلسلات قصيرة (15 حلقة) لتقليل التكاليف.
وأدى هذا التحول إلى خفض تكلفة المسلسل الواحد من 5-10 ملايين دولار إلى 2-4 ملايين، مما سمح بزيادة العدد إلى 35-40 عملاً بحلول 2022. ومع ذلك، أدت الأزمة الاقتصادية في لبنان وسوريا إلى تراجع الإنتاج المحلي، مع هجرة النجوم إلى مصر والخليج.
النمو المتسارع: احتكار الشركات الكبرى والتنويع (2023-2025)
شهدت السنوات من 2023 إلى 2025 نمواً ملحوظاً، حيث تجاوز حجم السوق في رمضان 2024 الـ200 مليون دولار، ثم ارتفع إلى 270 مليون دولار في 2025 بنمو 30-35%. أما على مدار العام، فقد بلغ 500 مليون دولار في 2024، متوقعاً الوصول إلى 550-600 مليون في 2025، مع نمو 5-10% بسبب تركز 90% من الأعمال في رمضان.
وساهمت دول الخليج، خاصة السعودية وقطر، في هذا النمو من خلال إنتاج 10-15 عملاً سنوياً، مدعوماً باستثمارات حكومية لتعزيز الصناعة الثقافية.
وأصبح الاحتكار سمة بارزة، حيث سيطرت شركات كبرى مثل “المتحدة” في مصر (تنتج 40 عملاً في 2025) و”الصباح” في سوريا على السوق، مما أدى إلى تراجع الشركات الصغيرة.
وارتفعت تكاليف الإنتاج بنسبة 20-30% بسبب التضخم، مع متوسط تكلفة مسلسل واحد 1.6 مليون دولار، وأعمال كبرى مثل “معاوية” تكلف 150 مليون دولار.
في الوقت نفسه، زاد التنويع: ارتفاع الأعمال الكوميدية إلى 35% من الإجمالي، والتركيز على قضايا اجتماعية مثل الجرائم والمخدرات، مع عودة الدراما الشعبية في 2026.
التحديات الرئيسية: تمويل، رقابة، وأزمة النصوص
رغم النمو، تواجه السوق تحديات كبيرة. يشير المنتج صادق الصباح إلى ضعف التمويل، حيث يفوق الطلب الإمكانيات، مع مقارنة دائمة بالإنتاج الغربي.
أما المنتج جمال العدل فيؤكد على ارتفاع التكاليف الذي يعوضه زيادة الإعلانات، لكنه يدعو إلى رفع سقف الحرية لتجنب التقيد بمواضيع محدودة. الناقد أحمد سعد الدين يبرز أزمة المؤلفين ونقص الإبداع، مع تحكم الوكالات الإعلانية والرقابة في بعض الدول، مما يحد من المسلسلات الدينية أو السياسية.
كما أثرت الأزمات الاقتصادية، مثل تلك في مصر، على موائد الإفطار، لكنها لم توقف الإنتاج.
التوقعات لـ2026 وما بعدها: نحو سوق أكثر استدامة
مع اقتراب رمضان 2026، يتوقع الخبراء إنفاقاً قياسياً يصل إلى 3.5-4 مليار جنيه مصري (حوالي 70-80 مليون دولار) في مصر وحدها، مع 40 عملاً وتركيز على الدراما الشعبية مثل “الكينج” و”إفراج”.
سيزداد دور المنصات الرقمية، مع توقعات نمو 20% في الإيرادات الرقمية. مع توجه السوق إلى خفض التكاليف للوصول إلى 100 عمل سنوياً، مع التركيز على الرسائل التوعوية والحفاظ على التراث العربي مع زيادة توقعات تحول السوق من اعتماد كلي على التلفزيون إلى نموذج هجين، يعكس قدرة الصناعة على التكيف مع التحديات، لكنها تحتاج إلى إصلاحات جذرية لضمان استدامتها.