كشف المهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أكد خلالها أن مصر تنتقل فيها من بناء القدرات إلى ترجمتها إلى قيمة اقتصادية ملموسة مشددا على أن امتلاك أدوات التكنولوجيا وحده لا يصنع أثرًا حقيقيًا، بل تحتاج الدولة إلى رؤية واضحة تحدد أهداف استخدامها والقدرات المطلوب بناؤها وآليات تحويلها إلى خدمات أفضل وفرص أوسع للمواطنين والشركات.
جاء ذلك على هامش افتتاح الدورة الثامنة من قمة FDC.
أوضح الوزير أن مصر أدركت منذ عام 2019 أهمية الذكاء الاصطناعي، فبدأت حينها في وضع إطار وطني متكامل له، شمل إطلاق المرحلة الأولى من الاستراتيجية الوطنية، وإنشاء مركز الابتكار التطبيقي، وتشكيل المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي، فضلًا عن إصدار الميثاق المصري للذكاء الاصطناعي المسؤول وسياسة البيانات المفتوحة.
وقد انعكست هذه الجهود على تقدم ملموس دوليًا، إذ تقدمت مصر 59 مركزًا في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي منذ 2019، لتحتل عام 2025 المركز الأول أفريقيًا في الجاهزية الشاملة وفي الحوكمة، والمركز الثالث عربيًا.
المرحلة الثانية: أرقام مستهدفة لعام 2030
وحسب رأفت هندي تنفذ الوزارة حاليًا المرحلة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي (2025-2030)، القائمة على ستة محاور: الحوكمة، والتكنولوجيا، والبيانات، والبنية التحتية، والنظام البيئي، وبناء القدرات البشرية. وتستهدف هذه المرحلة بحلول 2030:
دعم أكثر من 250 شركة ناشئة جديدة قائمة على الذكاء الاصطناعي
تمكين 36% من المواطنين من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي
تدريب أكثر من 30 ألف متخصص تدريبًا احترافيًا عالي التخصص
في إطار السعي نحو السيادة الرقمية، كشف هندي عن إطلاق أول نموذج لغوي وطني باللغة العربية الشهر الماضي، طوّره مهندسون مصريون في مركز الابتكار التطبيقي بما يراعي خصوصية اللغة والثقافة المصرية مشيراً إلى أن تطبيقات أخرى طُوّرت محليًا لخدمة قطاعات الدولة المختلفة، مؤكدًا أن تحقيق مستهدفات الذكاء الاصطناعي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتوفير القدرات الحوسبية الفائقة اللازمة للباحثين والمطورين والشركات الناشئة، لمساعدتهم على تجاوز مرحلة الفكرة نحو منتجات قابلة للتطبيق.
وتحظى صناعة مراكز البيانات باهتمام خاص من الوزارة، باعتبارها من أهم ركائز الاقتصاد الرقمي الحديث لما توفره من استضافة للبيانات وتشغيل للخدمات ودعم لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة، إضافة إلى إسهامها في استدامة الخدمات الحيوية وتعزيز السيادة الرقمية.
وتراهن مصر في هذا الملف على موقعها الجغرافي الاستراتيجي، حيث تمر عبر أراضيها 20 كابلًا بحريًا دوليًا تنقل نحو 90% من حركة الإنترنت بين أوروبا وآسيا. وتسعى الدولة لتحويل هذه الميزة من مجرد ممر لعبور البيانات إلى مصدر قيمة اقتصادية حقيقية، عبر استضافة البيانات ومعالجتها، وجذب مراكز البيانات والخدمات السحابية، وتصدير الخدمات الرقمية إلى الأسواق الإقليمية والعالمية. ولتحقيق ذلك، تعمل الوزارة على إعداد استراتيجية وطنية لمراكز البيانات تسعى لإطلاقها قبل نهاية العام الجاري.
مع تنامي الاعتماد على الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، أكد هندي أن الأمن السيبراني بات ركيزة أساسية للأمن القومي واستدامة الاقتصاد الرقمي. وتواصل مصر عبر المجلس الأعلى للأمن السيبراني تنفيذ الإصدار الثاني من استراتيجيتها الوطنية للأمن السيبراني (2023-2027)، فيما بدأت الأعمال التمهيدية لإعداد الإصدار الثالث لمواكبة المخاطر التي تفرضها التقنيات الناشئة. كما توسّع الدولة اختصاصات المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي لتشمل الحوسبة الكمية، استعدادًا للتحديات التي قد تطرحها على منظومات التشفير وحماية البيانات مستقبلًا.
على صعيد دعم منظومة الابتكار، تواصل الوزارة تقديم برامجها عبر 24 مركزًا من مراكز إبداع مصر الرقمية، التي توفر منظومة متكاملة تبدأ ببناء المهارات وتنمية الفكر الريادي، وتمتد إلى احتضان المشروعات وتقديم الاستشارات وربط الشركات الناشئة بالمستثمرين والأسواق.
وفي ملف الخدمات الحكومية، تعمل الوزارة على تفعيل الهوية الرقمية والتكامل مع التوقيع الإلكتروني والبريد الرقمي الموثق، بهدف إعادة هندسة دورة تقديم الخدمة للمواطن بالكامل، تمهيدًا لإتاحة 400 خدمة حكومية عبر منصة “مصر الرقمية” بحلول 2030 حسب كلمة الوزير.
وعلى المستوى الاقتصادي، أشار هندي إلى أن قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات حقق للمرة الأولى معدل نمو تجاوز 19% خلال عام 2025، مدعومًا بنمو استثنائي بلغ 24.3% في الربع الأخير من العام، ليواصل تصدره لقائمة القطاعات الأكثر نموًا في مصر.
كما رحب الوزير بالشركات التي تضيف قدرات جديدة للسوق المصرية وتنقل المعرفة وتدعم البحث والتطوير وتخلق فرص عمل نوعية، مؤكدًا تطلع مصر إلى تعميق تعاونها مع شركائها الأفارقة، وتوجيه الشكر لمنظمي القمة على دورهم في بناء شراكات مثمرة بين أطراف القطاع.
ويشهد اليوم الأول من FDC Summit 2026 تنظيم عدد من الموائد المستديرة رفيعة المستوى والجلسات النقاشية المتخصصة، بمشاركة مسؤولين حكوميين وقيادات تنفيذية وخبراء محليين ودوليين.
وتناقش الجلسات التحولات التي تشهدها صناعة التكنولوجيا، والفرص الاستثمارية المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، إلى جانب التحديات التي تفرضها تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتطور المستمر في طبيعة ومشهد التهديدات السيبرانية.
وتأتي مائدة «مستقبل الاستثمار في صناعة مراكز البيانات في مصر» في مقدمة فعاليات القمة، حيث تبحث الفرص المتاحة أمام مصر لتعزيز موقعها على خريطة صناعة واستضافة البيانات، وجذب المزيد من الاستثمارات إلى هذا القطاع.
وتتناول المناقشات المقومات التي يمكن أن تدعم نمو صناعة مراكز البيانات في مصر، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي، وتطور البنية التحتية للاتصالات، وتوافر الكوادر البشرية، فضلًا عن الارتباط بالأسواق العربية والأفريقية.
وتحظى مراكز البيانات بأهمية متزايدة ضمن أجندة القمة، باعتبارها أحد مكونات البنية الأساسية للاقتصاد الرقمي، وداعمًا رئيسيًا لتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والخدمات الرقمية.
كما تتضمن فعاليات FDC Summit مائدة مستديرة بعنوان «دور مصر في تعزيز التحول الرقمي ومستقبل البنية التحتية الحرجة في القارة الأفريقية»، لمناقشة فرص تعزيز التعاون المصري–الأفريقي في مجالات التحول الرقمي وتطوير وتأمين البنية التحتية الحيوية.
وتتناول المائدة كذلك بناء القدرات الرقمية ودور التكنولوجيا في تعزيز جاهزية واستدامة القطاعات الحيوية في القارة الأفريقية، إلى جانب فرص التعاون بين المؤسسات والشركات المصرية ونظيراتها في الأسواق الأفريقية.
ويتضمن برنامج اليوم الأول مجموعة من الجلسات التي تبحث مستقبل الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي من عدة زوايا، من بينها إدارة المخاطر السيبرانية، وحماية البيانات والأصول الرقمية، وتأمين البنية التحتية الحيوية، واستمرارية الأعمال، ورفع جاهزية المؤسسات للتعامل مع التهديدات الرقمية المتطورة.
كما تناقش الجلسات التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي وتأثيرها على نماذج العمل، واتخاذ القرار، والإنتاجية، وجودة الخدمات في عدد من القطاعات.
وتشهد الدورة الثامنة من FDC Summit 2026 حضورًا واسعًا لكبرى شركات التكنولوجيا العالمية والإقليمية والمحلية، بما يعكس تنوع مجتمع التكنولوجيا المشارك في القمة.
وتوفر القمة منصة للحوار وتبادل الخبرات واستعراض أحدث الحلول التكنولوجية، إلى جانب بحث فرص التعاون والشراكات بين الشركات العالمية ومجتمع صناعة التكنولوجيا في مصر.
وتضع FDC Summit 2026 الذكاء الاصطناعي في قلب أجندتها، إلى جانب مراكز البيانات والأمن السيبراني والبنية التحتية الرقمية، مع التركيز على الانتقال من مناقشة التطورات التقنية إلى بحث فرص الاستثمار والتطبيق العملي وبناء القدرات والشراكات.
وتستهدف القمة من خلال هذه المحاور دعم الحوار حول مستقبل الصناعة الرقمية، وتعزيز فرص التعاون والاستثمار، وربط مجتمع التكنولوجيا المصري بالأسواق الإقليمية والأفريقية.