في ظل الانتشار المتسارع لشركات التقسيط وخدمات “اشترِ الآن وادفع لاحقاً” (BNPL)، وجه الدكتور حسام خضر، خبير الاقتصاد وريادة الأعمال، تحذيراً مهنياً من التوسع في بعض نماذج العمل التي تتبناها هذه الشركات، مؤكداً أن جوهر المعاملات المالية يظل محكوماً بالضوابط الشرعية بغض النظر عن الأساليب التسويقية أو “الحيل” الهيكلية.
جوهر الأزمة: “الربا المغلّف”
وأوضح الدكتور خضر في تصريحاته أن الفرق الجوهري يكمن في الفصل بين “البيع بالتقسيط المباشر” وبين “تمويل القرض”. وشدد على أن التاجر حين يبيع بضاعة بسعر آجل أعلى من الكاش، فهو يمارس حقاً أصيلاً في التجارة؛ أما حين يدخل “طرف ثالث” ليقرض العميل تمن السلعة مقابل زيادة – سواء كانت هذه الزيادة مباشرة من العميل أو غير مباشرة عبر التاجر – فإننا أمام معاملة ربوية صريحة.
وصرح خضر قائلاً: “القاعدة الشرعية والاقتصادية واضحة؛ مجرد أن تسلّف شخصاً مالاً لتستردّه بزيادة، فهذا ربا. ولا يغير من هذه الحقيقة أن تُؤخذ الزيادة من التاجر بدلاً من العميل؛ فهذا في حقيقته ‘تواطؤ على الحرام’، والعميل في نهاية المطاف هو من يتحمل التكلفة ضمن السعر النهائي للسلعة”.
تفنيد ذكاء الأعمال (Business Logic)
وتطرق الدكتور حسام خضر إلى كواليس نقاشات مع قيادات في كبرى شركات التقسيط، مشيراً إلى محاولاتهم تبرير هذه النسبة تحت مسميات “الخدمات”. وأضاف:
عقبة “التسويق”: لا يمكن اعتبار نسبة التمويل “رسوم تسويق”؛ لأن العميل غالباً ما يتخذ قراره بالشراء من التاجر أولاً، ثم يلجأ للطرف الثالث كأداة تمويل فقط، دون أن يكون للشركة دور في جلب العميل أو التسويق للمنتج.
بوابات الدفع: أكد خضر أن تقديم خدمة تقنية (مثل بوابات الدفع) مقابل رسوم معقولة هو عمل تجاري مباح، لكن الدمج بين “القرض الربوي” و”الخدمة التقنية” يجعل المعاملة برمتها في دائرة الشبهة، خاصة مع وجود “غرامات التأخير” التي وصفها بأنها “ربا صريح لا جدال فيه”.
الحلول المقترحة للتحول نحو “الاقتصاد الحلال”
وفي معرض رده على تساؤلات حول كيفية تصحيح هذه المسارات، أكد خضر أن الحل يكمن في التحول إلى نموذج “المرابحة” الحقيقي:
تملك السلعة: أن تقوم شركة التقسيط فعلياً بشراء السلعة من التاجر وتملكها، ثم إعادة بيعها للعميل بمرابحة معلومة، مما يخرجها من إطار “إقراض المال بزيادة” إلى إطار “التجارة والبيع والشراء”.
الفصل التام: أن تقتصر نسبة الشركة على تقديم خدمة تقنية أو لوجستية حقيقية لها قيمة مضافة، بعيداً عن أصل عملية التمويل.
وتابع تصريحه بالقول: “إن الاقتصاد القائم على الربا هو اقتصاد هش، والشركات الناشئة التي تطمح للاستدامة والبركة في أعمالها يجب أن تبتعد عن هذه الهياكل التمويلية التي تلتف على الأحكام الشرعية، فالربا ينمو في الورق ولكنه يفتقر إلى القيمة الحقيقية والمباركة في النماء”.