صندوق النقد الدولي ؛ أعاد اندلاع حرب إيران في 28 فبراير، تشكيل المشهد الاقتصادي الإقليمي والعالمي وما تبعها من اضطرابات عميقة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاقتصادية عالميًا. لتواجه اقتصادات الشرق الأوسط صدمة جيوسياسية حادة.
دعا صندوق النقد الدولي، صانعي السياسات إلى تبني نهج «المرونة المنضبطة»، عبر السماح للمثبتات التلقائية بالعمل، وتقديم دعم مؤقت وموجه للفئات الأكثر هشاشة، مع تجنب التوسع في دعم الوقود واسع النطاق، خاصة في دول مثل مصر والجزائر وليبيا.
كما شدد على أهمية الإبقاء على سياسات نقدية انكماشية للحد من التضخم، وتعزيز الرقابة المالية، إلى جانب الاستثمار في قطاعات استراتيجية مثل تحلية المياه، التي تمثل نحو 40% من إمدادات المياه في بعض دول الخليج، وتسريع الربط الإقليمي لشبكات الطاقة.
جدير بالذكر أن الصندوق قدم تمويلات بنحو 46 مليار دولار لدول المنطقة منذ جائحة كورونا، تشمل برنامجًا لمصر بقيمة 8.1 مليار دولار، مع التأكيد على جاهزية الصندوق لزيادة الدعم المالي والفني في حال تفاقم المخاطر.
ويرى صندوق النقد الدولي أنه رغم إعلان وقف إطلاق النار في 7 أبريل، فإن حالة عدم اليقين لا تزال مرتفعة، حيث يظل التعافي الاقتصادي مرهونًا بمدى استدامة التهدئة وعودة الاستقرار الأمني.
المؤسسة لودلية وضعت «سيناريو مرجعي» ضمن تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، الصادر الخميس خلال اجتماعات الربيع 2026.
ووفقًا للتقرير يفترض السيناريو انحسار الاضطرابات تدريجيًا بحلول منتصف 2026. كما يتضمن التقرير «سيناريوهات بديلة» لمواجهة المخاطر النزولية المحتملة.

مضيق هرمز في قلب الأزمة.. وتعطل واسع لإمدادات الطاقة
وضع التقرير مضيق هرمز في صدارة المشهد، باعتباره نقطة الاختناق الأكثر حرجًا للطاقة عالميًا، حيث يمر عبره ما بين 20 و21 مليون برميل نفط يوميًا، أي ما يقارب خُمس الإمدادات العالمية، إلى جانب نحو ربع تجارة الغاز الطبيعي المسال.
وأدت العمليات العسكرية والإغلاقات الاحترازية إلى حالة من الشلل شبه الكامل في هذا الممر، مع تسجيل خسائر إنتاجية تتجاوز 10 ملايين برميل نفط يوميًا و500 مليون متر مكعب من الغاز، فضلًا عن أضرار هيكلية في البنية التحتية، أبرزها تضرر ما يعادل 17% من السعة العالمية للغاز الطبيعي المسال، خاصة في منشآت قطر.
وقال صندوق النقد إن آثار الأزمة امتدت إلى ما هو أبعد من الطاقة، حيث سجلت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا قفزة بنحو 60%، وارتفعت أسعار سماد اليوريا بنسبة 40%، إلى جانب زيادات مزدوجة الرقم في أسعار الألومنيوم وفوسفات ثنائي الأمونيوم.
كما حذر التقرير من تهديد مباشر للأمن الغذائي العالمي، في ظل اعتماد الأسواق على صادرات الخليج التي تمثل 40% من الكبريت و20% من الأمونيا والأسمدة النيتروجينية، وهو ما يهدد سلاسل الإمداد الزراعي خاصة في الدول المستوردة للغذاء في المنطقة وأفريقيا.
وفي قطاع الخدمات، شهدت حركة الطيران انهيارًا حادًا في مراكز الخليج، حيث تراجعت المغادرات بنحو الثلث في أبوظبي، والثلثين في دبي، ونحو ثلاثة أرباع في الدوحة، مع توقف شبه كامل في الكويت والمنامة، بالتوازي مع ارتفاع تكاليف التأمين البحري وطول مسارات الشحن.

تباين حاد بين الدول.. خسائر ثقيلة للمصدرين ومرونة نسبية للبعض
خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA) إلى 1.1% في 2026، بانخفاض قدره 2.6 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات أكتوبر، قبل أن يرتفع إلى 4.8% في 2027.
كما خُفضت توقعات مجموعة MENAP ، التي تشمل دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، 1.4% في 2026 بانخفاض 2.3 نقطة مئوية، مع تعافٍ متوقع إلى 4.6% في 2027.
فيما أظهر التقرير تفاوتًا كبيرًا في توقعات أداء اقتصادات المنطقة. ففي قطر، تم تسجيل أكبر خفض في توقعات النمو عالميًا بواقع 14.7 نقطة مئوية، لتتحول التوقعات إلى انكماش بنسبة -8.6% في 2026، قبل تعافٍ قوي إلى 8.6% في 2027، نتيجة الدمار الواسع في البنية التحتية وتوقف صادرات الغاز.
كما شهدت دول مثل الكويت والبحرين والعراق انكماشات حادة في 2026 بنسبة -0.6% و-0.5%، و-6.8% على الترتيب، مدفوعة بتراجع الإنتاج والصادرات.
في المقابل، أظهرت عُمان مرونة نسبية، حيث سجلت نموًا متوقعًا عند 3.5% في 2026، رغم خفض طفيف قدره 0.5 نقطة مئوية، مستفيدة من موقعها خارج مضيق هرمز، ما أتاح لها الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط وتحسين أوضاعها المالية.
مستوردو النفط تحت ضغط مزدوج: الطاقة والتحويلات
سلط التقرير الضوء على الضغوط التي تواجه الدول المستوردة للطاقة، مشيرًا إلى أن مصر والأردن يعتمدان بدرجة كبيرة على واردات الطاقة، بما في ذلك الغاز الإسرائيلي، الذي يمثل نحو 70% من واردات الطاقة للأردن و15% لمصر.

وفي الوقت ذاته، تواجه هذه الدول، إلى جانب لبنان وباكستان، ضغوطًا إضافية نتيجة تراجع تحويلات العاملين في الخارج، والتي تمثل نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الاقتصادات، ما يفاقم الضغوط على ميزان المدفوعات والاستهلاك المحلي.
وفي مصر تحديدًا، أشار التقرير إلى اتساع فروق العائد على السندات السيادية بنحو 60 نقطة أساس، مع تراجع سعر صرف الجنيه بنسبة 12%، حيث لعب سعر الصرف دور «الممتص الرئيسي للصدمات» في مواجهة الضغوط الخارجية.
وتُظهر التقديرات نمو الاقتصاد المصري عند 4.2% في 2026 (خفض بنحو 0.3 نقطة مئوية مقارنة بأكتوبر)، قبل أن يرتفع إلى 4.8% في 2027.














